يعكس القرار التكتيكي لوزير الطاقة والمياه اللبناني، جو الصدي، بالاعتكاف عن حضور جلسات مجلس الوزراء دون تقديم استقالته، عمق المأزق الإداري والسياسي الذي يكبّل قطاع الكهرباء المتهالك. وبينما يُبقي الصدي على صلاحياته التنفيذية في مقر الوزارة، تشكّل خطوته رسالة احتجاج صريحة تُعرّي العجز الحكومي عن مجاراة تفاقم أزمة الطاقة، وتضع القوى السياسية أمام مسؤولياتها المباشرة دون الذهاب إلى خيار إسقاط الحكومة.
“الاعتكاف السياسي”.. مناورة الضغط دون كسر التوازنات
لا ينفصل خيار “تعليق المشاركة” عن التوازنات الدقيقة التي تحكم المشهد الحكومي اللبناني؛ إذ تُقرأ الخطوة بحسب أوساط متابعة باعتبارها سقفاً رئيسياً للضغط السياسي والشعبي. فمن خلال تجنب الاستقالة الناجزة، يضمن الوزير استمرار سير المرفق العام بحدود الممكن، وفي الوقت ذاته يُخلي مسؤوليته المباشرة عن التبعات المالية والإنسانية لتراجع ساعات التغذية الكهرومائية، ملقياً بالكرة في ملعب السرايا الحكومية التي فشلت اجتماعاتها الوزارية الأخيرة في بلورة استجابة عملانية للطروحات المقدمة.
سلة الإصلاحات المعطلة: بين فواتير الدولة و”التعرفة المتحركة”
تتداخل أزمة الجمود الحكومي مع خيارات مالية معقدة وضعتها وزارة الطاقة على الطاولة دون تحصيل إجماع تنفيذي:
ديون المؤسسات الرسمية: مطالبة الوزارات والجهات الحكومية بتسديد مستحقاتها لصالح “مؤسسة كهرباء لبنان”، حيث بقيت الاستجابة الإدارية حتى الآن مجزأة ومرحلية لا تؤمن سيولة مستدامة لشراء المحروقات.
كلفة التعويض عن الحرب: المطالبة بتغطية حكومية للكهرباء المقدمة للمناطق والمتضررين من العمليات العسكرية، لضمان عدم استنزاف القدرة المالية المتبقية لمؤسسة الكهرباء.
التعرفة المتحركة: المقترح الداعي لربط تعرفة الكيلوواط بسعر الفيول العالمي حركياً؛ وهي خطوة ترى فيها الوزارة مخرجاً لزيادة ساعات التغذية وتقليص ارتهان المواطنين لفواتير المولدات الخاصة، لكنها تصطدم بمخاوف رسمية من ردود الفعل الشعبية تجاه أي تعديل في أسعار الخدمات الأساسية.
ارتدادات الأسواق العالمية والجمود الإيكولوجي
تأتي هذه السجالات في لحظة حرجة تتسم بارتفاع كلفة الوقود عالمياً، مما يضاعف الضغوط الاستيرادية على مؤسسة كهرباء لبنان ويقلص خياراتها التشغيلية. ورغم الشروع في خطوات هيكلية—مثل تشكيل الهيئة الناظمة للقطاع وإعادة تنظيم أطر الجباية لفتح الباب أمام القطاع الخاص—فإن تباطؤ القرارات المالية العاجلة يهدد بشلل هذه الإصلاحات واختزالها في إطار النوايا النظرية.
تؤكد أزمة اعتكاف وزير الطاقة أن ملف الكهرباء في لبنان لم يعد مجرد أزمة فنية أو شحّ في الموارد، بل تحول إلى اختبار لإرادة الحكم وتوزيع الأعباء المالية بين الدولة، والقطاع الخاص، والمواطن الذي يواصل تحمّل الفاتورة الأكبر للانقسام الحكومي.






