تكشف المعطيات التي نشرتها وزارة الأمن الإسرائيلية عن أزمة داخلية متفاقمة في صفوف الجيش والمجتمع الإسرائيلي، نتيجة الحرب الممتدة على قطاع غزة منذ نحو عامين. فالأرقام التي أُعلنت لا تعكس فقط حجم الخسائر البشرية المباشرة، بل تكشف عن تداعيات نفسية عميقة باتت تضرب البنية الداخلية للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فاستقبال قسم إعادة تأهيل الجنود لأكثر من 20 ألف جندي مصاب منذ بداية الحرب، نصفهم تقريبًا يعانون من اضطرابات نفسية، يشير إلى أن التحديات لا تقتصر على ساحات القتال بل تمتد إلى قلب المجتمع الإسرائيلي.
حرب استنزاف طويلة
النسبة المرتفعة من الإصابات النفسية – 56% من إجمالي المصابين الجدد – تطرح تساؤلات جدية حول قدرة الجيش الإسرائيلي على الاستمرار في إدارة حرب استنزاف طويلة بهذا الحجم، خاصة أن أغلب المصابين من فئة الشباب تحت سن الثلاثين. ويعني ذلك أن جيلًا كاملًا من الجنود قد يدخل إلى الحياة المدنية مثقلًا باضطرابات ما بعد الصدمة، ما سينعكس بالضرورة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل إسرائيل.
الأرقام الكلية التي أوردتها الوزارة – 81 ألفًا و700 مصاب مسجلين لدى قسم إعادة التأهيل، منهم 31 ألفًا يعانون من اضطرابات نفسية – تؤكد أن المسألة لم تعد محصورة بالحرب الجارية، بل تراكمت عبر الحروب السابقة لتصل إلى ذروة غير مسبوقة في غزة. ومن اللافت أن ثلث هؤلاء تقريبًا من قوات الاحتياط، أي من الفئة التي يُفترض أن تشكل العمود الفقري للجيش في حالات الطوارئ، ما يضع المؤسسة العسكرية أمام أزمة مضاعفة في حال اندلاع جبهات أخرى.
أعباء اجتماعية واقتصادية ضخمة
ميزانية قسم إعادة التأهيل التي تضخمت لتصل إلى 8.3 مليار شيكل، منها أكثر من 4 مليارات مخصصة للاضطرابات النفسية، تعكس حجم الاستنزاف المالي الذي تفرضه هذه الأزمة على الدولة. هذه التكلفة الباهظة، التي ستستمر بالتصاعد حتى عام 2028 مع توقع وصول عدد المصابين إلى 100 ألف جندي نصفهم يعانون من أزمات نفسية، تضع الحكومة الإسرائيلية أمام معادلة صعبة: الاستمرار في الحرب يعني استمرار استنزاف الجنود والمجتمع، والتراجع عنها قد يُفسر كهزيمة سياسية وعسكرية.
ورغم محاولات الخطاب الرسمي الإسرائيلي إظهار تماسك الجبهة الداخلية، إلا أن التفاصيل الدقيقة التي كشفت عنها المعطيات – مثل وجود 56 جنديًا بإعاقة تامة، و99 بُترت أطرافهم، و168 يعانون من إصابات دماغية تحتاج إلى مرافقة دائمة – تُظهر الوجه الآخر للحرب الذي تحاول القيادة إخفاءه. هذا الواقع يهدد بخلق جيل كامل من المعاقين جسديًا ونفسيًا، ما سيؤدي إلى أعباء اجتماعية واقتصادية ضخمة يصعب على أي حكومة استيعابها.
الاحتلال يدفع ثمنًا باهظًا
الأبعاد النفسية لهذه الأزمة أخطر من الأبعاد الجسدية، إذ أن اضطرابات ما بعد الصدمة لا تقتصر على المصاب وحده، بل تمتد إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي، ما يعني أن عشرات الآلاف من العائلات الإسرائيلية ستعيش في دوامة طويلة الأمد من الانهيارات النفسية والاجتماعية. وهو ما قد يتحول بمرور الوقت إلى عنصر ضغط على صانعي القرار، ويغذي النقاش الداخلي حول جدوى استمرار الحرب على غزة.
تكشف هذه الأرقام أن الاحتلال يدفع ثمنًا باهظًا على المستوى الداخلي، يتجاوز بكثير صورة “الإنجازات العسكرية” التي يروج لها. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية مع المقاومة الفلسطينية، بل تحولت إلى حرب استنزاف نفسي ومجتمعي تهدد بتفكيك التماسك الداخلي لإسرائيل على المدى البعيد.






