في أول تحرك دبلوماسي خارجي رفيع المستوى منذ الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد، أعلنت روسيا، يوم الأربعاء، أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني سيقوم بزيارة رسمية إلى موسكو الخميس، في خطوة توصف بأنها فاتحة لعهد جديد من العلاقات الثنائية بين دمشق وموسكو.
وأفادت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في تصريحات لوكالة “تاس” الرسمية، أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف سيستقبل نظيره السوري الشيباني لإجراء مباحثات في العاصمة الروسية، تتمحور حول “العلاقات الثنائية والقضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك”.
الزيارة، التي لم يصدر بشأنها أي إعلان رسمي من الجانب السوري حتى الآن، تحمل دلالات سياسية عميقة، كونها أول زيارة من نوعها لمسؤول في الحكومة السورية الجديدة التي تشكلت بعد سقوط الأسد أواخر عام 2024، إثر تصعيد غير مسبوق للفصائل المعارضة المدعومة إقليمياً.
دمشق الجديدة تبحث عن توازن في علاقاتها
تأتي هذه الزيارة وسط تساؤلات كثيرة بشأن مستقبل العلاقة بين سوريا ما بعد الأسد وروسيا، التي كانت أكبر داعم لنظام دمشق على مدى سنوات الحرب. إذ لعب التدخل العسكري الروسي، بدءًا من عام 2015، دورًا محوريًا في بقاء الأسد في السلطة، قبل أن يتهاوى نظامه تحت ضغط الميدان والسياسة في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وبينما يعيش بشار الأسد اليوم في موسكو بعد أن فرّ إليها مع أفراد من عائلته، تُحاول القيادة السورية الجديدة، بقيادة رئيس الحكومة الانتقالية، رسم ملامح سياسة خارجية متوازنة، تحفظ للدولة السورية سيادتها دون الوقوع في دائرة النفوذ الحصري لأي قوة خارجية.
ويُنظر إلى زيارة الشيباني على أنها اختبار عملي لهذه السياسة، إذ يتعيّن على دمشق الجديدة أن تتعامل بحذر مع الحليف السابق لمعارك الأمس، دون استفزاز داعمي التغيير السياسي داخليًا وخارجيًا.
الكرملين في وضع غير مريح
رغم الدعم غير المشروط الذي قدمته موسكو لنظام الأسد على مدى سنوات، إلا أن الكرملين يجد نفسه اليوم أمام واقع جديد، عنوانه: دمشق لم تعد كما كانت.
فبينما لا تزال روسيا تتمتع بنفوذ عسكري في سوريا من خلال قواعدها في طرطوس وحميميم، فإن المفاوضات المقبلة قد تضع هذا النفوذ على طاولة التفاوض، في ظل مطالب محلية ودولية بإعادة هيكلة الوجود الأجنبي في البلاد.
ويرى مراقبون أن زيارة الشيباني قد تكون محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أسس أكثر براغماتية، لا تقوم فقط على الولاء السياسي، بل على المصالح المتبادلة والاعتراف بالتغيرات الميدانية والسياسية التي فرضها الواقع الجديد في سوريا.
من الدعم العسكري إلى الدبلوماسية الوقائية
التحول في لهجة موسكو تجاه الملف السوري أصبح ملموسًا منذ بداية العام، إذ حرصت الخارجية الروسية في أكثر من مناسبة على تأكيد احترامها لـ”الخيار السيادي للشعب السوري”، وهي عبارة لم تكن تُستخدم عندما كان الأسد في موقع القوة.
وقد يكون في زيارة الشيباني محاولة روسية لـ”حجز مقعد” على طاولة إعادة الإعمار وترتيب ما بعد الحرب، في ظل منافسة متزايدة من دول الخليج وتركيا وحتى الصين، وهي أطراف بدأت فعليًا بفتح قنوات اتصال مع الحكومة الجديدة في دمشق.
ملفات شائكة على الطاولة
من المتوقع أن تتناول المحادثات بين لافروف والشيباني عددًا من القضايا الحساسة، من بينها:
مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا.
إعادة تعريف الدعم السياسي الروسي بعد تغير القيادة.
الموقف السوري من العقوبات الغربية.
التنسيق الأمني في الجنوب السوري، خاصة في ظل الانخراط الإسرائيلي المتزايد.
وفي الوقت الذي تسعى فيه دمشق إلى إعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية، يُتوقع أن يكون لموسكو دور محدود ولكن مؤثر، إذا ما أحسنت التكيف مع المعادلة الجديدة في سوريا.







