تُشير التطورات الأخيرة في قطاع غزة والضفة الغربية إلى تصعيد واضح في السياسة العسكرية الإسرائيلية، وهو ما يعكس تحوّلات استراتيجية في إدارة العمليات العسكرية على الجبهتين. التصريحات الصادرة عن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال إيال زامير، وما نقلته القنوات الإخبارية عن بدء تنفيذ “خطة احتلال غزة”، تمثل تحوّلاً نوعياً في طبيعة العمليات الميدانية الإسرائيلية، وتكشف عن نوايا إسرائيل في توسيع نطاق تدخلها العسكري، بما يتجاوز العمليات المحدودة أو الدفاعية إلى خطوات أكثر شمولاً تهدف إلى تغيير المعادلة على الأرض.
دلالة رمزية خطيرة
الحديث عن توسيع العمليات في مناطق مثل جباليا والزيتون – وهي من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية والبنية التحتية المعقدة في غزة – يدل على أن إسرائيل لم تعد تكتفي بالضربات الجوية أو العمليات الموضعية، بل تتجه نحو استنزاف المقاومة من خلال عمليات برية أوسع، رغم ما تنطوي عليه من تكاليف بشرية وعسكرية.
مصطلح “احتلال غزة” المستخدم في بعض التقارير الإعلامية يُعد ذا دلالة رمزية خطيرة، خاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من القطاع في 2005، ما يعني أن ثمة تغييراً محتملاً في قواعد الاشتباك وطبيعة العلاقة المستقبلية بين إسرائيل والقطاع.
رسالة للفصائل الفلسطينية
في المقابل، تزامن الجولة التفقدية لرئيس الأركان الإسرائيلي في مدينة طولكرم بالضفة الغربية مع تصريحاته بشأن غزة، يُظهر مدى ترابط الجبهات بالنسبة للقيادة العسكرية الإسرائيلية. فالنظر إلى الضفة والقطاع كجبهة موحدة يعكس توجهاً جديداً نحو استراتيجية “القبضة الواحدة” التي تسعى إلى تقويض أي إمكانية لنشوء بيئة مقاومة موحدة أو تصعيد مزدوج في الضفة وغزة. تصريح زامير بأن الجيش سيواصل العمل في “كل الجبهات بيقظة ومسؤولية” يُعد رسالة موجهة للفصائل الفلسطينية مفادها أن إسرائيل مستعدة لتوسيع المعركة وتحمّل تبعاتها.
علاوة على ذلك، تأكيد زامير على أن مهمة الجيش في الضفة الغربية هي “إحباط العمليات وحماية المستوطنات” يحمل أبعاداً سياسية وأمنية. إذ أنه يعيد تعريف دور الجيش الإسرائيلي في الضفة باعتباره قوة تنفيذية لحماية مشروع الاستيطان، مما يتقاطع مع سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية التي تدفع باتجاه فرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر التوسع الاستيطاني أو تقويض أية بنية تنظيمية فلسطينية في المدن والبلدات الرئيسية.
الردع بالقوة العسكرية
في ضوء هذا التصعيد المزدوج، يبدو أن إسرائيل تسعى لإعادة فرض معادلات الردع بالقوة العسكرية المفرطة، مستغلةً الأوضاع الإقليمية والدولية المتقلبة، وتراجع الضغوط الدولية الفعّالة. غير أن استمرار هذا النهج يُنذر بمزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية في غزة، وتصاعد التوتر في الضفة الغربية، بما قد يؤدي إلى انفجار أوسع لا يمكن السيطرة على نتائجه بسهولة، خصوصاً في ظل غياب أفق سياسي حقيقي لحل النزاع، وضعف الدور الدولي في فرض تهدئة مستدامة أو تقديم مبادرات بديلة.






