بينما تتصاعد أهوال الحرب في قطاع غزة، وتتفشى المجاعة والموت بين الأطفال والمدنيين، تواصل حركة حماس إصدار بيانات الترحيب والإشادة بالمواقف الدولية، كما فعلت مؤخرًا تجاه البيان المشترك الصادر عن المملكة المتحدة و24 دولة أخرى، والذي دعا إلى إنهاء الحرب فورًا وإدخال المساعدات الإنسانية. ورغم أهمية هذا البيان، إلا أن موقف حماس منه يعكس استمرارًا لنمط خطابي لا يُترجم إلى تحركات سياسية فاعلة، ما يعمّق المأساة ويطيل أمد المعاناة.
مواقف تفاوضية متصلبة
في ظل واقع إنساني كارثي، لا يمكن الاكتفاء بالاحتفاء بإدانات دولية لا تملك وحدها سلطة وقف الحرب. فحماس، بصفتها طرفًا رئيسيًا في الصراع، تملك قدرة حقيقية على التأثير في مسار الأحداث، لكنها تواصل الاكتفاء بمواقف إعلامية لا تتجاوز حدود البيانات، دون تقديم تنازلات أو حلول واقعية تفتح نافذة جدية لوقف إطلاق النار. وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحركة عن “سياسة التجويع الممنهج” التي أودت بحياة عشرات الأطفال، فإنها ترفض في المقابل تعديل مواقفها الصلبة أو تخفيف شروطها في مفاوضات الهدنة، ما يضعها في موقع من يساهم – وإن بشكل غير مباشر – في إطالة أمد الحرب التي يدفع المدنيون ثمنها الباهظ.
لا شك أن الاحتلال الإسرائيلي يرتكب جرائم جسيمة بحق السكان في غزة، وهذا ما تؤكده معظم المنظمات الحقوقية الدولية، لكن هذه الحقيقة لا تعفي حماس من المسؤولية الأخلاقية والسياسية في ظل تمسكها بمواقف تفاوضية متصلبة، تقابلها حكومة إسرائيلية لا تقل تشددًا، ما أنتج حالة من الجمود الكامل في مسار التهدئة، وأفشل المبادرات التي كان من الممكن أن تنقذ حياة الآلاف من المدنيين.
ازدواجية حماس
توقيت ترحيب حماس بالبيان الغربي الجماعي يثير تساؤلات مشروعة، لا سيما أنها لم تتعهد بخطوات ملموسة تتماشى مع مضمون البيان، بل اكتفت بدعوة الدول الموقعة إلى ممارسة الضغط على إسرائيل، وكأن المسؤولية تقع فقط على المجتمع الدولي، في حين تتنصل الحركة من اتخاذ مواقف شجاعة يمكن أن تفتح الباب أمام حل إنساني. إن دعوة حماس لترجمة البيان إلى “خطوات عملية” يجب أن تقابلها بالمثل خطوات من طرفها، تبدأ بالقبول بهدنة فورية دون شروط تعجيزية، وتنتهي بتمكين المنظمات الدولية من إيصال المساعدات بشكل آمن إلى جميع أنحاء القطاع.
المفارقة المؤلمة أن حماس، وهي ترحب بإدانة “سياسة التجويع”، تظل في الوقت نفسه طرفًا معرقلاً لجهود تخفيف الحصار من خلال رفض صيغ الوساطة المطروحة، بما في ذلك الاتفاقات المؤقتة لوقف إطلاق النار أو الإفراج عن الأسرى المدنيين مقابل إدخال المساعدات. هذه الازدواجية في الخطاب بين التأييد العلني للدعم الدولي، والرفض الضمني للتنازلات، تسهم في استمرار الحرب وتفاقم الكارثة.
التهرب من المسؤولية
ما تحتاجه غزة اليوم ليس المزيد من البيانات، بل قرارات مسؤولة تضع حياة السكان فوق الحسابات السياسية. ولا يمكن لحماس أن تواصل تحميل الآخرين كل المسؤولية بينما تبقى متمترسة خلف مواقفها، متجاهلة أن آلاف العائلات تعيش على فتات الإغاثة، وأطفالها يموتون جوعًا في ظل صراع لا أفق له. فإذا كانت الحركة ترى في نفسها ممثلًا للشعب الفلسطيني، فإن أول واجباتها أن تنقذ هذا الشعب من الفناء، لا أن تراقب موته ببطء بينما تخوض مفاوضات طويلة الأمد حول شروط لن تكون قابلة للتحقيق في ظل ميزان القوى الحالي.
الترحيب بالبيانات الدولية لا يكفي، ما لم يقترن بإرادة حقيقية لوقف النزيف، والتخلي – ولو مؤقتًا – عن بعض الأهداف السياسية لصالح الحفاظ على ما تبقى من أرواح وأمل. وفي غياب هذه الإرادة، فإن بيانات الإدانة التي تصدرها حماس، ستتحول إلى غطاء لفظي لعجز فعلي، ومشهد متكرر من التهرب من المسؤولية.







