وجد الأردن نفسه مجدداً في قلب المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، رغم محاولاته المستمرة لتجنب الانخراط المباشر في الصراع. فالمملكة، التي تستضيف قوات أمريكية على أراضيها وتعد شريكاً أمنياً رئيسياً لواشنطن، أصبحت في الوقت ذاته عرضة لتداعيات الردود الإيرانية، ما وضعها أمام معادلة أمنية وسياسية شديدة التعقيد.
ومع تجدد المواجهات العسكرية، أعلن الجيش الأردني اعتراض أربعة صواريخ أطلقتها إيران يوم الاثنين 13 يوليو/تموز 2026، في حادثة تعكس حجم الضغوط التي تواجهها المملكة، رغم تأكيدها المتكرر أنها ليست طرفاً في الحرب.
بين التحالف مع واشنطن والحياد الإقليمي
يرتبط الأردن بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة منذ عقود، ويستضيف عدداً من المنشآت العسكرية التي تستخدمها القوات الأمريكية ضمن عملياتها في المنطقة.
لكن عمّان تحرص في المقابل على تأكيد أن وجود هذه القواعد لا يعني مشاركتها في أي عمليات هجومية ضد إيران، بل يندرج ضمن اتفاقيات دفاعية قائمة منذ سنوات، وهو موقف تسعى من خلاله إلى الحفاظ على توازن دقيق بين التزاماتها الأمنية وعلاقاتها الإقليمية.
ورغم هذا الحياد المعلن، فإن الجغرافيا تفرض على الأردن واقعاً مختلفاً، إذ تمر العديد من الصواريخ والطائرات المسيّرة فوق أجوائه، أو تسقط بالقرب من حدوده، ما يجعله أحد أكثر المتضررين من اتساع دائرة المواجهة.
لماذا أصبح الأردن هدفاً غير مباشر؟
على خلاف دول الخليج المطلة على الخليج العربي، يقع الأردن بعيداً عن مضيق هرمز، إلا أن موقعه الجغرافي بين العراق وسوريا وإسرائيل جعله ممراً محتملاً للمقذوفات التي تعبر المنطقة خلال تبادل الضربات بين إيران والولايات المتحدة.
ويقول مراقبون إن اعتراض الصواريخ داخل الأجواء الأردنية لا يعكس فقط حرص المملكة على حماية أراضيها، بل يهدف أيضاً إلى منع سقوطها فوق المناطق السكنية أو المنشآت الحيوية، بغض النظر عن الجهة التي أطلقتها أو الهدف المقصود منها.
معضلة أمنية تتجاوز الحدود
تواجه السلطات الأردنية تحدياً متزايداً يتمثل في حماية المجال الجوي دون الانجرار إلى الصراع.
فكل عملية اعتراض قد تُفسَّر من قبل بعض الأطراف على أنها اصطفاف مع الولايات المتحدة، في حين أن الامتناع عن إسقاط المقذوفات قد يعرض المدنيين والبنية التحتية للخطر.
ولهذا تؤكد عمّان أن إجراءاتها العسكرية تستند إلى مبدأ حماية السيادة الوطنية والدفاع عن المواطنين، وليس إلى المشاركة في العمليات العسكرية الدائرة في المنطقة.
الضغوط الداخلية والاقتصادية
لا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب الأمني، إذ يواجه الأردن تحديات اقتصادية متزايدة مع تصاعد التوتر الإقليمي.
فاستمرار المواجهة يهدد حركة التجارة والاستثمار، ويرفع كلفة الطاقة والتأمين على الشحن، كما يزيد المخاوف من تراجع النشاط السياحي، وهو أحد القطاعات الحيوية للاقتصاد الأردني.
وتخشى عمّان أن يؤدي اتساع رقعة الحرب إلى موجة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية، في وقت تعاني فيه المملكة أصلاً من ضغوط مالية وارتفاع معدلات البطالة.
سياسة التوازن… خيار صعب
منذ بداية الأزمة، حاول الأردن الحفاظ على سياسة تقوم على دعم الاستقرار الإقليمي وتجنب الانخراط في المحاور العسكرية.
غير أن استمرار الضربات المتبادلة يجعل هامش المناورة يضيق تدريجياً، خاصة مع تعرض أجوائه بصورة متكررة لمخاطر الصراع، ووجود قوات أمريكية على أراضيه.
ويرى محللون أن المملكة تجد نفسها أمام مفارقة معقدة؛ فهي تستفيد من شراكتها الأمنية مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تتحمل جانباً من تداعيات المواجهة مع إيران، دون أن تكون طرفاً مباشراً فيها.






