تصريحات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تضيف بعدًا جديدًا إلى النقاش الدولي حول الوضع الإنساني في غزة، إذ تكشف المفارقة بين السماح الجزئي بإدخال المساعدات وبين حجم الاحتياجات الفعلية على الأرض. فالمفوضية تؤكد أن ما يدخل من مساعدات، رغم زيادته في الأسابيع الأخيرة، لا يقترب من الحد الأدنى المطلوب لتفادي المجاعة الواسعة النطاق. هذا الطرح يضع إسرائيل في موقع الاتهام المباشر بأن الأزمة الغذائية الكارثية في القطاع ليست مجرد انعكاس للحرب، بل نتيجة سياسة ممنهجة تقوم على التحكم في تدفق المواد الأساسية.
معركة سياسية موازية
الخطر الذي تطرحه المفوضية لا يقتصر على شبح الجوع، بل يتصل بأبعاد أوسع من بينها انهيار المنظومة الصحية والاجتماعية في مجتمع محاصر وممزق. فالمجاعة ليست مجرد نقص في الطعام، بل هي مؤشر على وصول جميع أنظمة الدعم إلى نقطة الانهيار: الزراعة مدمرة، الأسواق فارغة، القدرة الشرائية معدومة، وشبكات الإغاثة الدولية عاجزة عن سد الفجوة بسبب العراقيل المفروضة عند المعابر. بهذا المعنى، يصبح الجوع سلاحًا استراتيجيًا يُستخدم لإضعاف المجتمع الغزي ودفعه إلى مرحلة اليأس والانهاك.
في المقابل، تحاول إسرائيل عبر “وحدة تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي الفلسطينية” ترويج رواية بديلة مفادها أنها تبذل “جهودًا كبيرة” لتوزيع المساعدات. غير أن هذا الخطاب يصطدم بما ترصده المنظمات الدولية من أرقام ومشاهد يومية، حيث يقف آلاف المدنيين في طوابير طويلة للحصول على كيس دقيق أو عبوة ماء، وغالبًا ما يتعرضون للقصف أو لإطلاق النار. التناقض بين الروايتين يعكس معركة سياسية موازية للحرب الميدانية، إذ تسعى إسرائيل لتخفيف الضغط الدولي عبر إظهار نفسها كطرف يسمح بالمساعدات، بينما تؤكد المفوضية أن حجم ما يدخل غير كافٍ لإنقاذ السكان من الانهيار الكامل.
المسألة الجوهرية هنا أن المجتمع الدولي أمام معضلة أخلاقية وقانونية. فحين تعلن جهة أممية بحجم مفوضية حقوق الإنسان أن خطر المجاعة في غزة “نتيجة مباشرة” لسياسة دولة عضو في الأمم المتحدة، فهذا يشكل إدانة رسمية تحمل أبعادًا تتجاوز اللغة الدبلوماسية المعتادة. الحديث عن “نتيجة مباشرة” يعني أن المجاعة ليست كارثة طبيعية ولا أثرًا جانبياً للحرب، بل أداة ضغط وسياسة متعمدة. هذه الصياغة تفتح الباب لمطالبات بتفعيل آليات قانونية دولية قد ترقى إلى مستوى الاتهام باستخدام التجويع كسلاح حرب، وهو ما يجرّ إسرائيل إلى دائرة المساءلة الجنائية الدولية.
تلميع صورة إسرائيل دوليًا
من زاوية سياسية، يضع هذا التصريح الولايات المتحدة وحلفاء إسرائيل في موقف حرج، إذ يتناقض مع محاولاتهم المستمرة لتصوير إدخال المساعدات كخطوة ملموسة نحو تحسين الوضع الإنساني. وفي الوقت ذاته، يمنح القوى الإقليمية مثل مصر وقطر غطاءً إضافيًا للضغط باتجاه فتح الممرات الإنسانية بشكل أوسع. غير أن الواقع على الأرض يثبت أن إدخال مئات الشاحنات لا يغير المعادلة إذا كان حجم الاحتياج أكبر بعشرات المرات، وأن استمرار هذا النمط يجعل المجاعة واقعًا لا تهديدًا فحسب.
التقرير الأممي يكشف بوضوح أن معركة المساعدات تحولت إلى ساحة رئيسية في الحرب على غزة. فبينما يُستخدم إدخال الشاحنات كأداة لتلميع صورة إسرائيل دوليًا، يظل سكان القطاع عالقين في حلقة موت بطيء تتجاوز آثار القصف المباشر. وفي غياب ضغط سياسي دولي أكثر فاعلية، يبقى تصريح المفوضية بمثابة إنذار أخير للعالم بأن المجاعة باتت وشيكة، وأن استمرار الوضع الراهن يعني أن كارثة إنسانية بحجم غير مسبوق أصبحت جزءًا لا يتجزأ من مسار الحرب.






