تسارع وتيرة شق الطرق الاستيطانية في محيط رام الله، كما حدث بين دير جرير وسلواد وربط مستوطنة “عوفرا” بالشارع الرئيسي، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء هندسي أو توسعة عمرانية، بل يمثل خطوة متقدمة ضمن استراتيجية إسرائيلية راسخة تقوم على تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وتحويل القرى إلى جزر معزولة يسهل السيطرة عليها. فبالتوازي مع هذه الخطوة، تواصل الجرافات العمل على شق طريق آخر غرب رام الله بين بيت عور الفوقا ودير إبزيع، وهو مشروع يقطع أوصال ثماني بلدات كاملة ويحاصرها ضمن طوق استيطاني يخنق أي إمكانية للتواصل أو التوسع الطبيعي.
تعميق المشروع الاستيطاني
الرسالة الواضحة من هذه التحركات أن الاحتلال لا يتوقف أمام الإدانات الدولية أو بيانات الشجب المتكررة، بل يستغل انشغال العالم بالحرب في غزة ليعمّق من مشروعه الاستيطاني في الضفة الغربية. فالطرقات الجديدة ليست مجرد ممرات للمستوطنين، وإنما أدوات لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والسياسية بما يتجاوز أي احتمال لتطبيق حل الدولتين مستقبلاً. فحين تُعزل القرى عن بعضها، وحين تُحاصر التجمعات الفلسطينية بسياج من المستوطنات والشوارع الالتفافية، تتحول الضفة إلى كانتونات منفصلة تفتقر إلى مقومات الحياة المستقلة.
التحرك أيضاً يحمل بعداً أمنياً؛ إذ تمنح هذه الطرق قوات الاحتلال قدرة أسرع على التنقل والسيطرة، وتوفر للمستوطنين حماية أكبر عبر طرق مغلقة أمام الفلسطينيين ومفتوحة فقط أمام المركبات الإسرائيلية. بذلك يتداخل البعد الأمني مع البعد الاستيطاني ليُنتج واقعاً مفروضاً بالقوة، يعزز من نفوذ اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يرى في كل متر جديد من الطرق خطوة إضافية لتكريس “السيادة” الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية.
دفن أي مسار سياسي عادل
ورغم إدراك المجتمع الدولي لخطورة هذا المسار، فإن غياب الضغط العملي الفعّال يتيح للاحتلال الاستمرار دون اكتراث. فالتنديدات الأممية والبيانات الأوروبية لم تُترجم إلى عقوبات أو إجراءات رادعة، ما يجعلها مجرد خلفية ضبابية لا تعيق الجرافات عن شق المزيد من الطرق. في المحصلة، فإن التوسع في البنية التحتية الاستيطانية ليس مجرد انتهاك للقانون الدولي، بل هو إعلان صريح عن دفن أي مسار سياسي عادل، وتأكيد أن الاحتلال ماضٍ في فرض معادلة ميدانية تحاصر الفلسطينيين وتُبقيهم رهائن لواقع استيطاني متغوّل.




