في فصل جديد من فصول العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، استشهد أربعة مواطنين وأصيب العشرات بجروح متفاوتة، معظمهم من النساء والأطفال، جراء غارة استهدفت مبنى تابعًا لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في مخيم جباليا شمال القطاع، لتضاف هذه المجزرة إلى سجل طويل من الانتهاكات التي تشكّل معالم ما بات يُوصف بحرب إبادة جماعية ضد المدنيين.
الغارة الإسرائيلية، التي وقعت صباح اليوم، استهدفت مبنى التموين التابع للأونروا، وهو منشأة إنسانية يفترض أن تحظى بالحماية الكاملة وفقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. غير أن إسرائيل، كما في محطات كثيرة سابقة، اختارت تجاهل هذه المعايير واستهدفت موقعًا يخدم آلاف اللاجئين، مما أدى إلى سقوط ضحايا جدد لا علاقة لهم بأي عمل عسكري.
شهادات من الميدان أكدت أن أصوات الانفجار دوّت وسط المخيم المكتظ بالسكان، وسرعان ما عمت الفوضى المكان، وسط محاولات الأهالي لانتشال الجرحى من تحت الأنقاض بوسائل بدائية، في ظل انهيار شبه كامل في قدرات الطواقم الطبية والإغاثية. مراسلون من غزة وصفوا المشهد بـ”المجزرة الصامتة”، إذ لم تكن الغارة الأولى من نوعها، لكنها تكرّس واقعًا مأساويًا تعيشه مخيمات اللاجئين التي لم تعد ملاذًا آمنًا، بل تحوّلت إلى أهداف عسكرية مفتوحة أمام آلة الحرب الإسرائيلية.
ورغم أن المخيمات، ومن بينها جباليا، تُعد من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، إلا أن ذلك لم يمنع الاحتلال من مواصلة استهدافها بشكل ممنهج منذ بداية العدوان في السابع من أكتوبر 2023. ومع تزايد عدد الشهداء والجرحى، والذي بلغ حتى اليوم أكثر من 52,787 شهيدًا و119,349 جريحًا، لم تعد الإحصائيات مجرّد أرقام، بل تحوّلت إلى شواهد على مأساة إنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم دون أفق لنهاية قريبة.
من زاوية قانونية، يشكل استهداف منشآت الأونروا ومراكز اللجوء خرقًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، وخصوصًا ما يتعلق بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. لكن إسرائيل – كما هو معتاد – تمضي في ضرب كل ما هو محمي دوليًا، مدفوعة بحصانة سياسية منحها إياها الصمت الدولي، والدعم غير المشروط من بعض القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
سياسيًا، تواصل إسرائيل ترويج روايتها بشأن وجود “نشاطات مسلحة” في محيط هذه المنشآت، غير أن تقارير أممية مستقلة، إلى جانب شهادات موثقة من ميدانيين ومراسلين دوليين، تشير إلى غياب أي دلائل على هذه الادعاءات، مما يعزز فرضية الاستهداف المتعمد لتركيع المجتمع الغزي عبر ضرب مراكز خدماته الأساسية.
وفي ظل هذه الجرائم المتكررة، تتعالى الأصوات الداعية إلى تحرك أممي عاجل لوقف حمام الدم، وفتح تحقيق دولي نزيه حول الانتهاكات الجارية. إلا أن واقع التجاذبات السياسية في مجلس الأمن، وانقسام المواقف الدولية، يجعل من هذه المطالب مجرد صدى يتردد في أروقة المؤسسات الدولية دون فاعلية حقيقية.







