تواصل روسيا، وسط صراعها في أوكرانيا، استخدام أساليب محكمة لإخفاء حجم إنفاقها العسكري الحقيقي، في محاولة لعرض صورة دولة مزدهرة ومستقرة اقتصادياً. فالكرملين يصنّف جزءاً كبيراً من ميزانيته العسكرية على أنه “سري”، ويعتمد على تمويل مجمعه الصناعي العسكري عبر بنوك مملوكة للدولة وبنود ميزانية غامضة، ما يجعل تقدير الإنفاق الفعلي مهمة معقدة للغاية.
تحليلات دائرة الاستخبارات الفيدرالية الألمانية (BND) تكشف أن الإنفاق الفعلي قد يكون أعلى بنسبة تصل إلى 66% عن الأرقام الرسمية التي تعلنها موسكو، ما يعكس فجوة كبيرة بين الواقع الاقتصادي والواجهة الإعلامية للكرملين.
تضاعف الإنفاق العسكري: أرقام تكشف حجم التصعيد
بين عامي 2021 و2025، تضاعف الإنفاق العسكري الروسي ثلاث مرات تقريباً، من 80 مليار يورو إلى نحو 250 مليار يورو، وهو ما يعادل نصف ميزانية الدولة السنوية تقريباً.
عند قياسه بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، يشكل هذا الإنفاق العسكري حوالي 10% من إجمالي الاقتصاد الروسي، نسبة عالية بشكل استثنائي مقارنة بالدول الكبرى الأخرى، ما يعكس التزام موسكو الكامل بتحصين قواتها المسلحة على حساب القطاعات المدنية والتنموية.
الحرب والاقتصاد: زيادة الإنفاق بلا نتائج ملموسة
رغم ضخ الموارد الكبيرة، لم يحقق الجيش الروسي تقدماً نوعياً في أوكرانيا مقارنة بالأشهر الأولى من الغزو، إذ شهدت وتيرة العمليات العسكرية تباطؤاً ملحوظاً.
هذا الواقع يطرح تساؤلات حول كفاءة تخصيص الموارد، خصوصاً مع تراجع عائدات الطاقة، التي تشكل شريان الاقتصاد الروسي. فزيادة الإنفاق العسكري لا تبدو مرتبطة بتحسين أداء الجيش على الأرض، بل أكثر ارتباطاً بالحفاظ على صورة القوة الروسية داخلياً وخارجياً، بما يشمل الردع الاستراتيجي، والاستثمار في الصناعات الدفاعية، وتوظيف البنية المالية لإخفاء الضغوط الاقتصادية الحقيقية.
تحليل خبير: هل يتحمل الاقتصاد هذا العبء؟
يشير المحللون إلى أن عبء 10% من الناتج المحلي الإجمالي على القطاع العسكري يشكل ضغطاً كبيراً على الاقتصاد الروسي، خصوصاً في ظل العقوبات الغربية المستمرة، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، والتحديات اللوجستية للحرب الطويلة.
إضافة إلى ذلك، فإن شفافية الإنفاق العسكري المحدودة تزيد من صعوبة تقييم المخاطر الاقتصادية والسياسية المستقبلية، مما يضع موسكو في مواجهة معضلة مزدوجة: الحفاظ على القوة العسكرية دون الإضرار بالاقتصاد القومي بما قد ينعكس على الاستقرار الداخلي.
باختصار، تمثل الأرقام الجديدة دليلاً على استراتيجية روسيا في التضخيم العسكري والإخفاء المالي، مع تساؤلات حقيقية حول قدرة الاقتصاد على دعم هذه السياسات على المدى الطويل.







