تشهد الساحة اللبنانية تصعيداً ميدانياً متواصلاً يمزج بين الضغط العسكري المباشر ورسم التوازنات السياسية المستقبلية، حيث تنفذ القوات الإسرائيلية موجة مكثفة من الغارات الجوية، والتجريف الهندسي، والتفجيرات الميدانية في ألمع بلدات الجنوب، بالتوازي مع خرق الأجواء السيادية باستطلاع جوي مكثف للمسيّرات فوق العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية. ويأتي هذا التصعيد الميداني بالتزامن مع استحقاقات دبلوماسية وأمنية مفصلية، ترتبط بترسيم ترتيبات المرحلة الانتقالية لانسحاب قوات “اليونيفيل” وتنفيذ بنود “صيغة الإطار”.
التكتيك الميداني: هندسة الأرض بالفرز والتدمير
لا تقتصر العمليات الجارية على قصف مواضع بعينها، بل تتجاوز ذلك نحو تطبيق سياسة الأرض المحروقة وتغيير معالم الحدود الجنوبية عبر تكتيكات ثلاثية التتابع:
التجريف والتفجير الممنهج: شهدت بلدات حولا، بني حيان، بيوت السياد، وبرعشيت، ومجدل زون أعمال تجريف واسعة وإزالة كاملة لكتل عمرانية، بالتوازي مع تفجيرات هندسية ضخمة تهدف إلى تجريد السلسلة الحدوديّة من أي مجالات للاختباء أو التحصين.
تثبيت حزام الردع بالمواضع الحيوية: تركز القصف المدفعي العنيف على مجرى نهر الليطاني عند طريق الخردلي، ووادي زقبين، ودوحة كفررمان، لتأمين التوغل الذي وصلت عمائره لعمق 12 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية.
الضغط بالسلاح الجوي والمسيّرات: يهدف التحليق المكثف للمسيّرات على ارتفاعات منخفضة فوق بيروت، والضاحية الجنوبية، والزهراني، إلى توجيه رسائل أمنية متواصلة واستطلاع التحركات الميدانية دون توقف.
مأزق “صيغة الإطار” والاستحقاق الدولي
يتداخل التوتر الميداني المتصاعد مع تعقيدات ملف الأمن الإقليمي، حيث تضع الاستراتيجية الإسرائيلية ترتيبات السلام أمام اختبار صلب:
تحديات “اتفاق 26 يونيو”: يقضي “اتفاق صيغة الإطار” الصادر في 26 يونيو/حزيران بانسحاب إسرائيلي تدريجي يقابله انتشار للجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات غير الرسمية، إلا أن الاستمرار في نسق التدمير يهدد بإفراغ التوافقات من مضمونها السياسي.
مستقبل اليونيفيل وترتيبات 2026: تتجه الأنظار نحو إنهاء ولاية القبعات الزرق بحلول نهاية عام 2026. وتكشف المحادثات المكثفة بين قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل ونظيره الإيطالي لوتشيانو بورتولانو عن مخاوف حقيقية من حدوث فراغ أمني عند خروج القوات الدولية، مما يدفع لترتيب دعم عسكري ومؤسساتي استثنائي للجيش اللبناني لتمكينه من سد الفراغ المرتقب.
الكلفة الإنسانية المتصاعدة: تتزايد الضغوط الداخلية مع تسجيل وزارة الصحة اللبنانية حصيلة دامية بلغت 4,350 قتيلاً و12,310 جرحى منذ مارس/آذار الماضي، مما يفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.
يُظهر المسار الحالي أن التغيير الهيكلي في جنوب لبنان لم يعد يقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل يتحول إلى إعادة رسم قسري للجغرافيا والأمن الإقليمي. وتظل قدرة الدولة اللبنانية ومؤسستها العسكرية على تسلم المبادرة مرهونةً بتحويل التوافقات الدبلوماسية الدولية إلى ضغط حقيقي يوقف التدمير الميداني ويؤمن الانسحاب الكامل لجميع القوات المحتلة.






