تصاعدت حدة الصراع بين روسيا وأوكرانيا بشكل ملحوظ، مع إعلان هيئة الأركان الأوكرانية اليوم الجمعة عن استهداف ميناء نوفوروسيسك الروسي بصواريخ بعيدة المدى من طراز “نبتون”، التي تصل مداه إلى نحو 1000 كيلومتر. ويأتي هذا الهجوم ضمن سلسلة ممنهجة من الضربات الأوكرانية على البنية التحتية النفطية الروسية، بما في ذلك الموانئ والمصافي وخطوط الأنابيب، في محاولة لتعطيل أهم مصادر تمويل الحرب الروسية في أوكرانيا.
ويعكس هذا التطور استمرار استراتيجية كييف في الانتقال من العمليات التكتيكية إلى ضرب العمق اللوجستي والاقتصادي لموسكو، وهو ما يزيد من الضغوط على الأسواق العالمية للطاقة ويُعيد رسم معادلات التوازن في الصراع. في المقابل، تتواصل الهجمات الروسية على الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك العاصمة كييف والمناطق الحيوية، ما يحول النزاع إلى تصعيد مزدوج الأبعاد، عسكريًا واقتصاديًا، يهدد استقرار المدنيين والبنية التحتية على حد سواء.
تعطّل صادرات النفط الروسية وتأثيرها على الأسواق العالمية
وفق مصادر قطاع النفط، أدى الهجوم إلى إيقاف مؤقت لصادرات الخام من ميناء نوفوروسيسك، الذي يعد مصدراً لحوالي 2.2 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 2% من الإمدادات العالمية. كما توقفت مصفاة ساراتوف لتكرير النفط على نهر الفولجا عن العمل منذ 11 نوفمبر الجاري، وقد تستمر التوقفات حتى نهاية الشهر، وفق المصادر نفسها.
وتكثّف أوكرانيا هجماتها بطائرات مسيرة على المصافي ومستودعات النفط وخطوط الأنابيب، بهدف شل أكبر مصدر تمويل للحرب الروسية، وهو ما يسلط الضوء على استراتيجية كييف في استهداف العمق اللوجستي والاقتصادي لموسكو.
هجمات متزامنة على كييف… والأضرار المدنية تتصاعد
في المقابل، شهدت العاصمة الأوكرانية كييف هجمات روسية واسعة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة. وأسفرت الضربات عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 24 آخرين، بينهم امرأة حامل وطفل في العاشرة من عمره، إضافة إلى أضرار كبيرة في نحو 30 مبنى سكنيًا ومبانٍ حيوية.
رئيس بلدية كييف، فيتالي كليتشكو، وصف الهجوم بأنه “واسع النطاق”، داعيًا السكان إلى الالتزام بالملاجئ، بينما أكد مسؤولون محليون أن شبكات التدفئة ومرافق المدينة الأساسية تضررت جزئيًا بسبب الضربات، ما يزيد من خطورة الوضع مع اقتراب فصل الشتاء.
تصعيد مزدوج في العمق الروسي
الهجمات الأوكرانية لم تقتصر على الأراضي الأوكرانية، إذ أعلنت موسكو عن إحباط مؤامرة أوكرانية لاغتيال مسؤول حكومي كبير، وأكدت أن القوات الروسية أسقطت أكثر من 200 طائرة مسيرة خلال الليل، بما في ذلك 66 فوق منطقة كراسنودار و45 فوق ساراتوف. وأدى الهجوم على ميناء نوفوروسيسك إلى إصابة ثلاثة من أفراد طاقم سفينة، بالإضافة إلى أضرار في مستودعات النفط ومبانٍ ساحلية.
يُظهر هذا التبادل العسكري المستمر، وفق مراقبين، استراتيجية الضربات المتبادلة على العمق الاقتصادي والمدني، ما يعكس تحول النزاع من جبهة القتال التقليدية إلى حرب شبه شاملة على البنية التحتية والاقتصاد.
الأبعاد المالية والدولية
على صعيد الدعم الدولي، وافق وزراء مالية الاتحاد الأوروبي على خيار تمويل أوكرانيا عبر الأصول الروسية المجمدة، وهو ما يُعرف بـ”قرض التعويضات”، لتغطية احتياجات كييف لعامي 2026 و2027. ويتيح هذا الخيار تقديم ما يصل إلى 140 مليار يورو دون تحميل ميزانيات دول الاتحاد أعباء إضافية، مع إمكانية تحويل القرض فعليًا إلى منحة في حال سداد روسيا للتعويضات.
لكن الكرملين وصف هذا الخيار بأنه استيلاء غير قانوني على الممتلكات الروسية، مع الإشارة إلى أن أي رد فعل روسي محتمل لم يُوضح بعد، مما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الصراع الدبلوماسي والمالي بين الجانبين.
تحليل: الحرب تتعدى خطوط الجبهة
تدل الهجمات المتزامنة على أوكرانيا وروسيا أن الصراع تجاوز الحدود العسكرية التقليدية، متجهًا نحو الاقتصاد والبنية التحتية الحيوية. بينما تركز موسكو على تأمين خطوط الإمداد وحماية العمق، تحاول كييف إضعاف قدرة التمويل الروسي للحرب عبر ضرب المنشآت النفطية. في الوقت نفسه، يشير الدعم الأوروبي الملموس لأوكرانيا إلى استمرار الصراع لفترة أطول، مع أبعاد اقتصادية ودبلوماسية تزيد من تعقيد المشهد العسكري.






