شهدت عدة دول في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، بينها الهند وباكستان والإمارات، اضطرابات واسعة في خدمات الإنترنت، عقب انقطاع كابلات بحرية قرب البحر الأحمر. العطل الذي أصاب كابلات استراتيجية مثل SMW4 و IMEWE، أدى إلى بطء شديد في حركة البيانات وأثار مخاوف من أن تستمر عملية الإصلاح لأسابيع، في ظل تعقيدات فنية تستلزم تدخل سفن وفرق متخصصة.
الكابلات البحرية، التي تمثل العمود الفقري لشبكة الإنترنت العالمية، باتت عرضة متزايدة للأخطار، سواء بسبب الممارسات البحرية العشوائية أو بفعل هجمات متعمدة. هذه الهشاشة وضعت أمن الإنترنت في قلب صراع البحر الأحمر، الذي يتخذ أبعاداً تتجاوز السفن إلى أعماق قاع البحر.
الحوثيون بين النفي والاتهام
توقيت العطل تزامن مع موجة التصعيد الحوثي في البحر الأحمر منذ نوفمبر 2023، حيث شنّت الجماعة أكثر من مئة هجوم على سفن تجارية وعسكرية، ما أسفر عن إغراق أربع سفن ومقتل ثمانية بحارة على الأقل. هذه الهجمات دفعت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى التحذير مطلع 2024 من احتمال انتقال الاستهداف إلى الكابلات البحرية.
ورغم أن الحوثيين نفوا مراراً تلك الاتهامات، فإن وقوع خلل في كابلات قريبة من مناطق نشاطهم العسكري أعاد فتح ملف “الحرب تحت البحر”، خاصة في ظل تقارير دولية سابقة تشير إلى أن الجماعة تعتبر البنية التحتية البحرية ورقة ضغط استراتيجية.
صراع يطال الممرات المائية والرقمية
لم تعد هجمات الحوثيين مقتصرة على تهديد السفن وطرق الملاحة. دخول الكابلات البحرية إلى دائرة الاستهداف المحتمل يعني أن الجماعة توسع جبهة الصراع إلى مجال جديد، يطال الاقتصاد الرقمي العالمي.
البيانات العابرة للبحر الأحمر لا تخص دول المنطقة وحدها، بل تربط آسيا بأوروبا، وتشكل أساساً لحركة التجارة الإلكترونية والخدمات المالية. أي تعطيل في هذه الشبكات قد يتسبب بخسائر بمليارات الدولارات ويؤدي إلى ارتباك عالمي في أنظمة الاتصال.
تداعيات أمنية وجيوسياسية
الانقطاع كشف مرة أخرى أن البحر الأحمر لم يعد مجرد خط ملاحي استراتيجي، بل تحول إلى عقدة أمنية وجيوسياسية متعددة المستويات. وجود التحالفات البحرية الدولية، وردود الفعل العسكرية الإسرائيلية التي وصلت إلى صنعاء مؤخراً، يجعل أي حادث تقني أو استهداف مباشر للكابلات قابلاً لإشعال توترات أوسع.
وفي الوقت الذي تحاول فيه فرق الإصلاح إعادة تشغيل الكابلات، يظل السؤال الأبرز: هل يمكن تحصين هذه البنى التحتية الرقمية في منطقة مشبعة بالصراعات المسلحة والتجاذبات الدولية؟
البحر الأحمر كساحة اختبار جديدة
الحادث يفتح الباب أمام تحول نوعي في طبيعة التهديدات. فبعد أن كان التركيز منصباً على ناقلات النفط والسفن التجارية، يبدو أن “الجبهة الرقمية” قد أصبحت مطروحة بقوة، ما يرفع منسوب المخاطر في البحر الأحمر، ويجعل الحوثيين لاعباً محورياً في معادلة أمنية لم تعد تقف عند سطح البحر، بل تمتد إلى أعماقه.







