في خطوة تعكس تحوّلًا لافتًا في ديناميات الصراع الإقليمي، أعلن الحوثيون في اليمن وقف هجماتهم على إسرائيل وعلى السفن المرتبطة بها في البحر الأحمر، في رسالة وُجهت لحركة «حماس»، حملت دلالات سياسية وعسكرية متعددة. فبعد نحو عامين من تنفيذ عمليات متواصلة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف إسرائيلية أو مرتبطة بها، بدعوى “نصرة غزة”، يبدو أن الجماعة تسعى اليوم إلى إعادة تموضع سياسي مدروس، يستجيب للتحولات الإقليمية والدولية التي طرأت على مسار الحرب في القطاع وعلى موقع الحوثيين ضمن خريطة التحالفات الإقليمية.
الرسالة الحوثية التي نُشرت مساء الاثنين الماضي، كانت بمثابة أوضح إشارة حتى الآن إلى وقف الهجمات. فقد حملت لغة مزدوجة تجمع بين إعلان التهدئة المشروطة وبين التلويح باستئناف العمليات في حال استئناف إسرائيل لعدوانها على غزة. هذا التوازن اللغوي يكشف عن رغبة الحوثيين في توجيه رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى الداخل اليمني والإقليمي، لتأكيد أن قرار وقف العمليات لا يعني التراجع عن “موقف مبدئي” من دعم فلسطين، بل هو مشروط بسلوك إسرائيل. أما الثانية فموجهة إلى القوى الدولية والإقليمية التي تضغط في اتجاه تهدئة شاملة في البحر الأحمر، باعتبار ذلك ممراً استراتيجياً للتجارة العالمية.
إعادة التموضع وتقويض التجارة الدولية
يبدو واضحًا أن الجماعة أرادت من هذه الرسالة إعادة صياغة موقعها في معادلة الصراع بين محور المقاومة الذي تقوده إيران من جهة، والتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر من جهة أخرى. فالحوثيون، الذين عززوا خلال العامين الماضيين من حضورهم الإقليمي عبر تنفيذ عمليات عسكرية مؤثرة في الممرات البحرية، أصبحوا في موقع يتيح لهم التأثير على المعادلات الإقليمية أكثر من أي وقت مضى. لكن في المقابل، فإن استمرار الضغط العسكري الأمريكي والغربي، وتكثيف الضربات الجوية على مواقع الحوثيين في الحديدة وصنعاء ومحيطها، وضع الجماعة أمام ضرورة إعادة تقييم الكلفة السياسية والعسكرية لتلك العمليات.
ويبدو أن الخطاب الحوثي الأخير يعكس إدراكاً متزايداً لدى قيادة الجماعة بأن استمرار التصعيد في البحر الأحمر لم يعد يوفر المكاسب نفسها التي حققها في بداياته، عندما كان المشهد الإقليمي مشتعلاً على خلفية الحرب في غزة. فمع مرور الوقت، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة بتطوير قدرات دفاعية متقدمة لحماية الملاحة، كما كثفت إسرائيل تعاونها مع هذه الجهود عبر معلومات استخباراتية وإجراءات أمنية غير معلنة. هذا التحول جعل من الهجمات الحوثية عملاً مكلفاً من دون مردود استراتيجي واضح، خصوصاً بعد أن تحوّل البحر الأحمر إلى ساحة اشتباك مفتوحة أدت إلى تقويض التجارة الدولية، ودفعت أطرافاً إقليمية إلى ممارسة ضغوط على صنعاء غير المعلنة.
تثبيت الهدنة الشاملة
من جهة أخرى، فإن الرسالة الحوثية الموجهة إلى “حماس” تكشف عن حرص الجماعة على الحفاظ على رمزية “دعم المقاومة الفلسطينية” من دون التورط في مواجهة مفتوحة مع التحالف الدولي. فهي أرادت أن تقول لحلفائها في محور المقاومة إنها لم تتخلَّ عن القضية الفلسطينية، لكنها في الوقت ذاته تُدرك أن استمرار الحرب في غزة لم يعد يستدعي نفس مستوى الانخراط العملياتي السابق، خاصة بعد التهدئة النسبية على الجبهة الجنوبية الإسرائيلية، والتطورات السياسية التي تلوح في الأفق بشأن ترتيبات ما بعد الحرب.
يُضاف إلى ذلك أن التطورات الميدانية والسياسية داخل اليمن نفسه قد لعبت دوراً مهماً في هذا التحول. فالجماعة تواجه ضغوطاً متزايدة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، في ظل تعثر المفاوضات مع السعودية حول تثبيت الهدنة الشاملة، واحتقان الشارع اليمني من تداعيات الأزمة المعيشية. وبالتالي، فإن وقف العمليات الخارجية مؤقتاً يمنح الحوثيين مساحة لالتقاط الأنفاس داخلياً، وإعادة ترتيب أولوياتهم السياسية والعسكرية، من دون خسارة رمزية “المقاومة” التي يبنون عليها جزءاً كبيراً من خطابهم التعبوي.
أما على المستوى الدولي، فإن الرسالة تأتي متزامنة مع تكثيف الاتصالات الأمريكية والإقليمية لاحتواء التوتر في البحر الأحمر. وتشير بعض التقارير إلى أن سلطنة عمان، التي تلعب دور الوسيط بين الحوثيين وواشنطن، نقلت خلال الأسابيع الماضية مقترحات تتضمن وقفاً متبادلاً للتصعيد في البحر الأحمر، مقابل تخفيف القيود المفروضة على واردات الوقود والسلع إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وإذا صحت هذه التقارير، فإن الإعلان الحوثي يمكن قراءته في سياق استجابة مشروطة لهذا المسار الدبلوماسي، في محاولة لتخفيف الضغط العسكري مقابل مكاسب اقتصادية داخلية.
تحليل الرسالة الحوثية
من الناحية الاستراتيجية، يُفهم هذا الموقف ضمن إعادة توزيع الأدوار داخل محور المقاومة بعد عام من التصعيد المتعدد الجبهات ضد إسرائيل. فبينما تراجعت حدة المواجهة في الجبهة اللبنانية بعد الوساطات الدولية، يبدو أن طهران تسعى إلى ضبط إيقاع أذرعها الإقليمية، بما يمنع توسع دائرة المواجهة إلى حد يهدد مصالحها أو يعرضها لضغوط مباشرة من واشنطن. وعليه، فإن التهدئة الحوثية قد تكون جزءاً من تفاهم أوسع يجري بناؤه في الكواليس، خصوصاً في ضوء الانفتاح الإيراني على مسارات تفاوضية غير مباشرة مع الغرب، سواء حول الملف النووي أو الأمن الإقليمي.
الرسالة الحوثية تضمنت أيضاً لهجة مراقبة مشوبة بالتحذير: “نتابع التطورات عن كثب”، وهي صيغة مقصودة تعكس رغبة الجماعة في الاحتفاظ بقدرتها الردعية الرمزية. فالجماعة تريد أن تُبقي على خيار استئناف العمليات قائماً كورقة ضغط مستقبلية، سواء في مواجهة إسرائيل أو في مفاوضاتها غير المباشرة مع واشنطن والرياض. وبذلك، فهي لا تغلق الباب أمام العودة إلى التصعيد، لكنها تربط ذلك بظروف قد تجعل من هذا الخيار أكثر فائدة سياسية في المستقبل.
من زاوية أخرى، يحمل وقف الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر تأثيرات اقتصادية فورية. إذ تشير بيانات الشحن إلى أن شركات النقل العالمية أعادت جزءاً من خطوطها إلى الممر عبر البحر الأحمر في الأسابيع الأخيرة بعد أن كانت قد حولتها إلى طريق رأس الرجاء الصالح لتجنب الهجمات. وإذا ما استمر الهدوء، فقد يساهم ذلك في استعادة جزء من الثقة في الممر التجاري الحيوي الذي تمر عبره نسبة تقارب 12% من التجارة العالمية. وهو ما يشكل مكسباً غير مباشر لدول الإقليم، خصوصاً مصر والسعودية، اللتين تضررتا اقتصادياً من اضطراب حركة السفن.
مع ذلك، تبقى هشاشة هذا الهدوء قائمة، لأن الإعلان الحوثي لم يصدر في شكل بيان رسمي من القيادة العليا للجماعة، بل جاء في رسالة سياسية غير رسمية موجهة إلى طرف غير دولي، ما يجعلها أقرب إلى اختبار للردود الإقليمية والدولية أكثر منها إلى قرار نهائي. فالجماعة تحتفظ بمرونة خطابية تسمح لها بالتراجع أو التصعيد بحسب اتجاهات الأحداث في غزة أو الضغوط الدولية عليها.
إعادة رسم ملامح النفوذ الإيراني
في المحصلة، يمكن القول إن إعلان الحوثيين وقف هجماتهم يمثل لحظة مفصلية في مسار الصراع الممتد في البحر الأحمر. فهو من جهة يعكس تحوّلاً في حسابات الجماعة من منطق “المواجهة الرمزية” إلى منطق “التموضع التكتيكي”، ومن جهة أخرى يكشف عن حجم الضغوط التي تمارسها القوى الدولية والإقليمية لضبط إيقاع الصراعات المتشابكة في المنطقة. كما أن هذه الخطوة، وإن بدت تكتيكية، قد تمهّد لتطورات أكبر في مسار المفاوضات بين صنعاء والرياض، وربما تسهم في إعادة رسم ملامح النفوذ الإيراني في الإقليم، بما يوازن بين شعارات “المقاومة” ومتطلبات البقاء السياسي.
وبينما تحاول الجماعة الظهور بمظهر القوة التي تختار الحرب أو السلم وفق مصالحها، فإن الواقع الإقليمي يشير إلى أن القرار جاء في لحظة ضغط مزدوج: ضغط ميداني من الضربات الغربية، وضغط سياسي من محور المقاومة لإعادة تنظيم الأولويات بعد تراجع زخم الحرب في غزة. لذلك فإن الهدوء الحالي لا يبدو نهاية الصراع، بل استراحة قصيرة في سباق طويل لإعادة رسم خرائط القوة في البحر الأحمر، حيث تختلط السياسة بالتجارة، والمقاومة بالمصالح، والتهدئة بالحسابات المؤقتة.






