في ظل التحولات التي تعرفها الساحة السياسية والاجتماعية في الجزائر، جاء خطاب الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، منذر بودن، خلال التجمع الجهوي المنعقد في ولاية مستغانم، ليشكل محطة لافتة في مسار إعادة تموقع الحزب داخل الخريطة السياسية الوطنية. لم يكن اللقاء مجرد فعالية حزبية عادية، بل حمل في طياته رسائل سياسية عميقة، تعكس محاولة جادة لإعادة ضخ دماء جديدة في الحياة الحزبية الجزائرية، وربطها بمقتضيات المرحلة الراهنة التي تتطلب تجديدًا في الفكر والممارسة والأدوات.
رؤية سياسية تستند إلى التجديد والانفتاح
جاءت تصريحات بودن لتؤكد أن التجمع الوطني الديمقراطي (RND) يسعى إلى كسر القوالب التقليدية التي حكمت الأحزاب السياسية الجزائرية على مدى عقود، عبر الانفتاح على الشباب والمرأة والكفاءات الوطنية في الخارج، بوصفهم ركيزة مستقبلية قادرة على إحياء الحياة السياسية، وإعادة الثقة إلى مؤسساتها.
وقد اعتبر بودن أن “استقطاب هذه الطاقات” هو العنوان الأكبر للمرحلة المقبلة، في ظل “خارطة طريق” جديدة تستهدف إعادة التوازن إلى المشهد السياسي الوطني، عبر إشراك فئات لم تُمنح فرصًا كافية في العمل الحزبي.
هذه الدعوة لا تأتي بمعزل عن التحولات الجيلية التي تشهدها الجزائر، فجيل الشباب الذي يمثل أكثر من نصف عدد السكان، بات يطالب بموقع مؤثر في صناعة القرار، وبمشاركة سياسية لا تقتصر على أدوار هامشية أو رمزية. كما أن فئة المرأة الجزائرية التي لعبت دورًا محوريًا في النضال التحرري وفي الحراك الاجتماعي، أصبحت اليوم مطالبة بأن تُترجم حضورها الميداني إلى تمثيل سياسي فعلي داخل الهياكل التنظيمية ومراكز القرار.
أما الكفاءات الوطنية المقيمة بالخارج، فقد شكلت لسنوات طويلة رصيدًا معرفيًا واقتصاديًا هائلًا ظل بعيدًا عن التوظيف السياسي. وتبدو مبادرة التجمع الوطني الديمقراطي محاولة ذكية لربط هذه الطاقات بمسار التنمية الوطنية، في إطار رؤية سياسية تعتبر الانتماء الوطني أوسع من الحدود الجغرافية.
ورش التكوين والإصلاح الداخلي.. نحو حزب مؤسسي حديث
توقف بودن أيضًا عند الورش الكبرى التي فتحها الحزب في مجالات الإعداد السياسي، والاستقطاب، والاتصال، وعلاقة المنتخب والمناضل بمحيطه، وهي خطوة ذات دلالة خاصة في سياق محاولات تجاوز البنية التقليدية للأحزاب الجزائرية، التي طالما افتقرت إلى التأطير الفعّال والتكوين المنهجي.
إن الدعوة إلى التكوين السياسي لا تعني فقط تحسين الأداء التنظيمي، بل تعكس تحولًا في الذهنية الحزبية نحو الاحترافية والفاعلية. فالتحديات التي تواجه الجزائر اليوم – من التحول الاقتصادي إلى المنافسة الانتخابية وتحديات التواصل الرقمي – تستلزم أدوات جديدة وقدرات فكرية ومهارية قادرة على الإقناع والمبادرة.
إلى جانب ذلك، تحدث بودن عن استحداث فضاءات وأدوات جديدة تتناسب مع التحولات الراهنة، في إشارة إلى استخدام الوسائط الرقمية ووسائل الإعلام الجديدة في العمل السياسي، وهو ما يمثل تحولا في الخطاب الحزبي نحو فهم أعمق لتأثير الإعلام الرقمي في تشكيل الرأي العام. فالمعركة السياسية اليوم لم تعد تُخاض فقط في الميادين، بل أيضًا في الفضاء الافتراضي حيث تتشكل المواقف والاتجاهات العامة.
مواجهة الحرب الإعلامية والمعلومات المضللة
أحد أبرز المحاور التي ركز عليها بودن هو التحذير من الحملات المضللة والأخبار الكاذبة، التي تُبث عبر المنصات الرقمية بهدف إحباط المعنويات، وإثارة الشكوك في إنجازات الدولة.
هذا التحذير يحمل بُعدين متوازيين:
الأول وطني، يتعلق بضرورة تحصين الرأي العام ضد ما سماه “زرع ونشر الأخبار الكاذبة”، وهي ظاهرة عالمية تتجاوز حدود الجزائر، لكنها تتخذ طابعًا خاصًا في السياقات السياسية المتوترة حيث يُستغل ضعف الوعي الإعلامي لتأجيج الفتنة.
أما البعد الثاني فهو سياسي، يعكس إدراكًا متزايدًا لدى النخب الحزبية بأن المعركة على الوعي باتت لا تقل أهمية عن المعركة الانتخابية أو الاقتصادية. فالحفاظ على الاستقرار الداخلي أصبح مرتبطًا بقدرة الدولة والمجتمع على مقاومة التضليل المنهجي الذي يستهدف المؤسسات الوطنية.
قراءة في إنجازات الدولة والرهانات الاقتصادية
في خضم خطابه، حرص بودن على إبراز ما تحقق من إنجازات اقتصادية، معتبرًا أن الجزائر قطعت خطوات مهمة في مجالات الأمن الغذائي والمائي، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المواد الأساسية.
لقد كانت هذه الإشارات أكثر من مجرد استعراض لنتائج حكومية؛ إنها تأكيد على أن التحول الاقتصادي الذي تشهده الجزائر يُعدّ أحد ركائز شرعية النظام السياسي الجديد بعد عام 2019، الذي يسعى لإثبات قدرته على بناء اقتصاد متنوع ومستقل.
وفي السياق نفسه، أشار بودن إلى ما تضمنه مشروع قانون المالية لسنة 2026، خصوصًا ما يتعلق بتوفير 100 ألف منصب شغل جديد، مع إعطاء الأولوية لقطاعي الصحة والتربية.
هذه الأرقام، رغم رمزيتها، تعكس توجها واضحًا نحو دعم القطاعات الحيوية ذات الأثر الاجتماعي المباشر، في وقت تسعى فيه الجزائر لتقليص معدلات البطالة، وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن عبر سياسات ملموسة في التشغيل والتنمية المحلية.
الالتفاف حول مشروع وطني جامع
من خلال إشادته ببرنامج رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بدا بودن حريصًا على تثبيت موقع حزبه ضمن المعسكر الداعم للمشروع الوطني الذي يتبناه الرئيس، سواء في بعده الداخلي المتعلق بالإصلاح الاقتصادي والسياسي، أو في بعده الخارجي المتمثل في استعادة الدور الإقليمي للجزائر.
وقد ركز المتحدث على نجاحات الدبلوماسية الجزائرية، خاصة في دفاعها عن القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن الجزائر “تظل صوت المقهورين”، وهي عبارة تلخص البعد الأخلاقي والرمزي الذي تسعى الجزائر لترسيخه في علاقاتها الدولية.
إن دعم القضية الفلسطينية ليس مجرد موقف سياسي، بل هو استمرار لنهج تاريخي تعتبره الجزائر جزءًا من هويتها النضالية، وهو ما يمنح الدبلوماسية الجزائرية مكانة خاصة في العالم العربي والإفريقي.
العمل الانتخابي كواجب وطني
في ختام كلمته، دعا بودن المواطنين إلى الإسراع في التسجيل في القوائم الانتخابية، معتبرًا أن “الفعل الانتخابي هو فعل وطني لا يجب التأخر عنه”.
هذا النداء يحمل في طياته رسالة مزدوجة:
الأولى موجهة إلى القواعد الحزبية، لتأكيد أهمية المشاركة الفعالة في الاستحقاقات المقبلة بوصفها وسيلة لتجديد الشرعية السياسية للحزب.
والثانية إلى عموم الجزائريين، لتذكيرهم بأن الانتخابات ليست مجرد عملية إجرائية، بل هي واجب وطني يعكس وعي المجتمع بحقوقه ومسؤوليته في اختيار ممثليه.
تحليل البعد الاجتماعي والسياسي للدعوة
يمكن القول إن خطاب بودن يعكس تحولًا في فلسفة العمل الحزبي في الجزائر، حيث لم يعد التركيز على الخطاب الإيديولوجي الصارم كما في العقود السابقة، بل على الفعالية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فاستقطاب الشباب والمرأة والكفاءات لا يعني فقط تجديد النخبة السياسية، بل هو أيضًا إعادة تعريف لعلاقة الحزب بالمجتمع، واعتراف ضمني بضرورة تغيير أدوات الاتصال والتفاعل السياسي لتتناسب مع متطلبات جيل جديد من المواطنين الذين لم يعودوا يستجيبون للخطابات القديمة.
كما أن حديثه عن الأمن الغذائي والتشغيل والدبلوماسية النشطة يعكس رغبة الحزب في أن يقدم نفسه كقوة سياسية داعمة للاستقرار والتنمية، لا ككيان معارض أو تقليدي، وهو تموضع استراتيجي في ظل النظام السياسي الحالي الذي يشجع على بناء “تحالف وطني” واسع حول أهداف الدولة الكبرى.
نحو إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة
من أبرز التحديات التي تواجه الحياة السياسية الجزائرية اليوم هو استعادة الثقة الشعبية في الأحزاب، بعد عقود من التكلس البيروقراطي والابتعاد عن هموم الناس. وتبدو مبادرات مثل التي طرحها بودن خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها ستظل مرهونة بمدى قدرة الحزب على ترجمة شعاراته إلى ممارسات حقيقية، سواء عبر فتح المجال أمام الطاقات الشابة، أو بإرساء ثقافة داخلية قائمة على الحوار والمساءلة.
في نهاية المطاف، فإن التجمع الوطني الديمقراطي، من خلال هذا التوجه، يحاول أن يعيد رسم صورته كحزب وطني إصلاحي، منفتح على المجتمع ومؤمن بمسؤولية المشاركة الفعالة في بناء الدولة الحديثة. غير أن نجاحه في ذلك يعتمد على تحويل خطابه من مستوى النية إلى مستوى الإنجاز، وعلى قدرته في خلق نموذج حزبي مختلف يتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة إلى مشروع وطني شامل.







