تستعد العاصمة السعودية الرياض مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2025 لاحتضان حدث دولي بارز يعكس مكانتها المتصاعدة في المشهد العلمي والتنظيمي العالمي، وهو «المؤتمر الدولي للتأهب والاستجابة للطوارئ النووية والإشعاعية (EPR2025)»، الذي تنظمه هيئة الرقابة النووية والإشعاعية السعودية بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحت شعار «بناء المستقبل في عالم متطور». هذا المؤتمر لا يقتصر على كونه لقاءً علمياً أو فنياً، بل يحمل أبعاداً استراتيجية وتنظيمية تتصل مباشرة بأمن الإنسان والبيئة والتنمية المستدامة، ويعكس تطوراً نوعياً في الدور الذي باتت تلعبه المملكة في مجالات الحوكمة النووية، وإدارة المخاطر، وبناء القدرات المؤسسية والعلمية في إطار رؤية السعودية 2030.
مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة في الذكاء الاصطناعي
يأتي انعقاد المؤتمر في لحظة دولية حساسة تتزايد فيها الحاجة إلى تطوير منظومات متقدمة للتعامل مع الطوارئ النووية والإشعاعية. فمع توسع استخدامات الطاقة النووية في مجالات الكهرباء والطب والصناعة والزراعة، تبرز تحديات جديدة تتعلق بالأمان والسلامة والإدارة السريعة للأزمات المحتملة. كما أن التطورات التكنولوجية المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والاستشعار عن بُعد، تفتح آفاقاً جديدة لتحسين الاستجابة للطوارئ، لكنها تطرح أيضاً تساؤلات حول الضوابط التشريعية والأطر التنظيمية الملائمة. من هنا تأتي أهمية مؤتمر الرياض بوصفه منصة عالمية لتنسيق الجهود وتبادل الخبرات ووضع خريطة طريق مشتركة بين الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتطوير القدرات الوطنية والدولية في هذا المجال الحيوي.
يحمل اختيار السعودية لاستضافة هذا المؤتمر دلالات متعددة. فمن جهة، يعكس ثقة المجتمع الدولي في قدرات المملكة المؤسسية والعلمية، واعترافاً بجهودها المتواصلة في بناء منظومة رقابة نووية وإشعاعية تتوافق مع أعلى المعايير الدولية. ومن جهة أخرى، يُعدّ المؤتمر جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز مكانة السعودية كمركز إقليمي في مجالات العلوم والتقنيات المتقدمة، بما في ذلك التكنولوجيا النووية السلمية. فالهيئة السعودية للرقابة النووية والإشعاعية، منذ تأسيسها، عملت على بناء إطار وطني شامل للرقابة والتنظيم، وعلى تطوير الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة المخاطر النووية والإشعاعية بكفاءة عالية. ويأتي هذا المؤتمر تتويجاً لهذه الجهود، وفرصة لتبادل المعرفة مع الخبراء والمنظمات الدولية حول أفضل الممارسات في مجال التأهب للطوارئ.
تطوير البرامجها التدريبية للدول النامية
من الناحية التقنية، سيتناول المؤتمر عدداً من الملفات الجوهرية التي تهمّ الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، منها التحديات التنظيمية في إعداد الخطط الوطنية للطوارئ، وآليات التنسيق بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر والتدريب الميداني للعاملين في هذا القطاع. كما سيناقش المؤتمر أحدث الابتكارات في الكشف عن الإشعاع، ووسائل الحماية من التسربات، وتكنولوجيا الروبوتات والطائرات المسيرة في تقييم الأضرار الميدانية، بالإضافة إلى موضوعات تتعلق بآليات التواصل مع الجمهور أثناء الأزمات وبناء الثقة المجتمعية في المؤسسات الرقابية.
وتكتسب مسألة بناء القدرات الوطنية أهمية خاصة في هذا السياق. فالمؤتمر يمثل فرصة للدول النامية لتطوير برامجها التدريبية والاستفادة من خبرات الدول المتقدمة في مجالات إدارة الطوارئ، سواء من حيث البنية التحتية التقنية أو من حيث الإطار التشريعي والتنظيمي. كما يتيح تبادل المعرفة حول كيفية دمج الأطر المحلية في منظومة الاستجابة الدولية التي تشرف عليها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يسهم في خلق منظومة متكاملة من التعاون العالمي في مواجهة أي طارئ نووي أو إشعاعي.
أما من الناحية الاستراتيجية، فإن انعقاد المؤتمر في السعودية يتجاوز البعد الفني إلى بعدٍ سياسي وتنموي أعمق، إذ يعزز صورة المملكة كدولة مسؤولة تتعامل مع التكنولوجيا النووية من منظور الأمان والاستدامة، وليس فقط كمصدر للطاقة. وهو ما يتناغم مع رؤية 2030 التي تدفع نحو تنويع الاقتصاد الوطني، والاستثمار في العلوم المتقدمة، وبناء شراكات دولية قائمة على الابتكار والمعرفة. كذلك، يشكّل المؤتمر منصة لإبراز التزام السعودية بمعايير الشفافية الدولية في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، ويؤكد دورها في دعم الجهود العالمية لضمان سلامة البيئة وحماية الإنسان من المخاطر الإشعاعية.
الاستعداد لاحتمالات وقوع حوادث نووية
كما أن الشعار الذي يحمله المؤتمر، «بناء المستقبل في عالم متطور»، يحمل دلالة رمزية تتعدى الجانب التقني إلى البعد الإنساني والتنموي، إذ يؤكد أن التعامل مع المخاطر النووية ليس مجرد استجابة لأزمات محتملة، بل هو جزء من مشروع حضاري يرمي إلى بناء مستقبل آمن ومستدام للأجيال المقبلة. فالتأهب للطوارئ النووية يعني في جوهره بناء ثقافة مؤسسية قادرة على الاستجابة السريعة، والتعاون عبر الحدود، وتبادل المعلومات في الوقت المناسب، بما يحدّ من آثار الكوارث ويحافظ على الأمن الصحي والبيئي العالمي.
كذلك، يُتوقع أن يسهم المؤتمر في بلورة توصيات عملية يمكن أن تشكّل مرجعاً للدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خصوصاً في ما يتعلق بتحديد أولويات العمل المستقبلية في مجال تطوير منظومات الطوارئ وفق المتغيرات العالمية المتسارعة. فالعالم اليوم يشهد تحديات غير مسبوقة، من تغير المناخ إلى الاضطرابات الجيوسياسية، وكلها عوامل قد تزيد من احتمالات وقوع حوادث نووية أو إشعاعية، سواء بفعل الكوارث الطبيعية أو الأخطاء البشرية أو الصراعات المسلحة. لذلك، فإن تعزيز التعاون الدولي وبناء القدرات المؤسسية لم يعد خياراً، بل ضرورة لحماية الأمن الجماعي.
إن مؤتمر الرياض EPR2025 يشكّل محطة مفصلية في مسار تطوير منظومات الأمان النووي العالمية، ويعكس انتقال السعودية من موقع المتلقّي للخبرة إلى موقع الشريك الفاعل في صياغة السياسات الدولية في هذا المجال. فالمملكة، من خلال استضافتها لهذا الحدث، تؤكد التزامها بتطوير القدرات العلمية والتنظيمية، وبمواصلة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجميع الشركاء الدوليين من أجل تعزيز السلامة النووية وحماية الإنسان والبيئة. وبذلك، لا يقتصر المؤتمر على كونه تجمعاً علمياً، بل يتحوّل إلى رسالة واضحة مفادها أن المستقبل الآمن في العالم المتطور يُبنى على أسس من العلم، والتعاون، والمسؤولية المشتركة.






