في خطوة أعادت أجواء الحرب الباردة إلى الواجهة، فجّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة جديدة من الجدل الدولي بعدما اتهم روسيا والصين بإجراء تجارب نووية سرية تحت الأرض، مؤكداً أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي.
عودة الخطاب النووي الأميركي
التصريحات، التي جاءت عبر مقابلة متلفزة على قناة “سي بي إس”، كانت بمثابة إعلان غير مباشر عن احتمال عودة الولايات المتحدة إلى عصر التجارب النووية بعد انقطاع دام أكثر من ثلاثة عقود.
أثار حديث ترمب عاصفة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والعسكرية في واشنطن حول ما إذا كان هذا التحول المفاجئ يمثل مجرد ورقة ضغط سياسية، أم أنه مؤشر على تغيير حقيقي في العقيدة الدفاعية الأميركية تجاه “الردع النووي”، فبينما رأى البعض أنها محاولة لإظهار القوة أمام بكين وموسكو، حذر آخرون من أن هذه التصريحات قد تشعل سباق تسلح عالمي جديد.
ورغم أن ترمب برر موقفه بأن “الولايات المتحدة لا يمكن أن تبقى الدولة الوحيدة التي لا تجري تجارب”، إلا أن توقيت تصريحه قبل اجتماعه مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في كوريا الجنوبية بدا رسالة موجهة إلى خصوم واشنطن في آسيا، كثير من المحللين رأوا في ذلك محاولة لتثبيت معادلة “القوة مقابل الاحترام”، التي لطالما تبناها ترمب خلال فترته الرئاسية الأولى.
أما وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، فبدت في موقف حرج بين تأييد الرئيس وتأكيد التزامها بالمعاهدات الدولية، فالتصريحات المفاجئة وضعت المؤسسة العسكرية أمام اختبار دقيق، خاصة أن أي تفجير نووي سيعني خرق معاهدة الحظر الشامل التي وقّعت عليها واشنطن منذ عام 1996.
تداعيات القرار المفاجئ
منذ لحظة إعلان ترمب، دخلت الأوساط الدبلوماسية في حالة استنفار. فالمجتمع الدولي اعتبر أن مجرد الحديث عن استئناف التجارب النووية يمثل تهديداً للنظام الأمني العالمي الذي بُني بعد الحرب الباردة، والأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية طالبتا بتوضيحات فورية، محذرتين من “عودة عقلية الردع النووي القديمة”.
في موسكو، جاء الرد سريعاً، إذ وصفت الخارجية الروسية اتهامات ترمب بأنها “محض خيال سياسي”، معتبرة أن واشنطن تبحث عن ذرائع للانسحاب من التزاماتها، أما الصين فالتزمت الصمت الرسمي، لكنها عبّرت عبر صحفها الحكومية عن “دهشة عميقة” من التصريحات، مؤكدة أن بكين ملتزمة التزاماً كاملاً بمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.
على الجانب الآخر، يرى محللون أن ترمب يستخدم ملف التجارب النووية كورقة انتخابية قبل الاستحقاقات القادمة، في محاولة لاستعادة صورة “الرئيس القوي” الذي لا يخشى المواجهة مع الخصوم الدوليين، فكلما اشتد الجدل، ارتفعت شعبيته بين المحافظين الذين يرون في هذا الخطاب استعادة لهيبة أميركا المفقودة.
لكنّ المخاوف تتزايد من أن يؤدي هذا التصعيد اللفظي إلى سباق تسلح جديد، خاصة أن روسيا أعلنت مؤخراً عن تجربة صاروخ “بوريفيستنيك” النووي وغواصة مسيّرة قادرة على حمل رؤوس نووية، وهو ما اعتبره البعض “إشارة رمزية” إلى استعداد موسكو للعودة إلى اختبار قوتها تحت الأرض أيضاً.
العالم بين الشك والاهتزاز
التحليل الجيوسياسي للمشهد يظهر أن تصريحات ترمب جاءت في لحظة حساسة يشهد فيها العالم انقسامات حادة، سواء في أوروبا أو آسيا، فبعد تراجع النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، تحاول واشنطن إعادة فرض نفسها في ملفات الأمن العالمي، وأبرزها الملف النووي.
ويبدو أن ترمب يحاول استغلال المخاوف الأميركية من التفوق الروسي الصيني في مجالات الصواريخ فرط الصوتية والأسلحة النووية التكتيكية، لذلك فإن خطابه الجديد ليس مجرد “رد فعل”، بل جزء من استراتيجية إعادة بناء الردع عبر استعراض القوة الرمزية.
في المقابل، يشير مراقبون إلى أن مجرد التفكير في تفجير نووي أميركي سيؤدي إلى موجة احتجاج عالمية، خصوصاً أن آخر تجربة تعود إلى عام 1992، فالعالم لم يعد يحتمل مزيداً من “الاهتزازات الأرضية” السياسية والبيئية، إذ إن أي تجربة جديدة ستشكل خرقاً واضحاً للمعاهدة وتفتح الباب أمام دول أخرى لتبرير تجاربها.
أما الرأي العام الأميركي، فكان منقسماً بين مؤيد يرى أن “الرد بالمثل ضروري”، ومعارض يحذر من أن عودة التجارب النووية لن تجعل أميركا أكثر أماناً، بل ستعيدها إلى أجواء سباق مرعب كانت قد طوته صفحات التاريخ قبل عقود.
معاهدات تحت التهديد
تُعتبر معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية واحدة من آخر ما تبقى من أدوات ضبط التسلح العالمي، إلا أن تصريحات ترمب تهدد بإفراغها من مضمونها، فالمعاهدة التي تحظر أي انفجار نووي سواء لأغراض عسكرية أو مدنية، لم تدخل حيز التنفيذ الكامل بسبب عدم مصادقة بعض الدول الكبرى عليها حتى الآن.
وقد حذّر خبراء في القانون الدولي من أن مجرد إعلان واشنطن نيتها إجراء تجارب، سيشجع دولاً أخرى مثل كوريا الشمالية أو إيران على المضي قدماً في مشاريعها النووية. وفي تلك الحالة، ستجد المنظومة الدولية نفسها أمام فوضى نووية غير مسبوقة.
الولايات المتحدة، رغم توقيعها على المعاهدة، لم تصادق عليها رسمياً في الكونغرس، ما يمنح ترمب مساحة قانونية للمناورة، لكنها تضع واشنطن في موضع الاتهام الأخلاقي أمام العالم.
وفي الوقت نفسه، يخشى حلف شمال الأطلسي (الناتو) من أن يؤدي هذا التحول الأميركي إلى تقويض مصداقية التحالف، خصوصاً في ظل انقسام أوروبي حاد بشأن سياسات الردع النووي، فدول مثل فرنسا وبريطانيا ترى أن العودة إلى التفجيرات تحت الأرض ستكون بمثابة “انتحار دبلوماسي” للغرب أمام الرأي العام العالمي.
عودة النووي.. رسالة سياسية بامتياز
يرى د. مارك هيندرسون، خبير في الأمن الاستراتيجي بجامعة جورجتاونأ، ن تصريحات ترمب لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، موضحاً أن ترمب يحاول استثمار الخطاب النووي لإظهار نفسه كقائد حازم قادر على إعادة الهيبة الأميركية، فكل حديث عن التفوق العسكري يعزز صورته بين المحافظين، خصوصاً أولئك الذين يرون في الصين وروسيا تهديداً وجودياً.
ويضيف الخبير أن واشنطن ليست في حاجة حقيقية إلى إجراء تفجيرات نووية جديدة، لأن لديها بيانات علمية هائلة من أكثر من ألف تجربة أجرتها في القرن الماضي، كما تملك برامج محاكاة رقمية متطورة تغنيها عن أي تفجير ميداني، لذا، يرى أن التلويح بالتجارب مجرد ورقة ضغط سياسية على الخصوم.
ويشير هيندرسون إلى أن ما يخيف العالم ليس التجارب بحد ذاتها، بل “عودة اللغة النووية” إلى الخطاب السياسي الأميركي، فهذه اللغة تُذكّر بسنوات الخوف النووي التي كانت فيها كلمة واحدة كفيلة بإشعال سباق تسلح جديد.
ويختتم بالقول إن خطر هذا المسار لا يكمن في القنابل، بل في كسر الحاجز النفسي الذي منع الدول منذ التسعينات من التفكير في العودة إلى التجارب، “حين يُكسر هذا الحاجز، لن يكون أحد قادراً على إيقاف الانهيار”، على حد تعبيره.
اتهامات ترمب.. ذريعة لتقويض التوازن الدولي
فيما تقول إيلينا سميرنوفا، باحثة في مركز موسكو للدراسات الدفاعية، إن روسيا ترى في اتهامات ترمب محاولة لإعادة تبرير عسكرة السياسة الأميركية، معتبرة أن واشنطن تستخدم “فزاعة الصين وروسيا” لتبرير سباق تسلح جديد.
وتضيف أن موسكو ملتزمة بالمعاهدات الدولية ولم تُجرِ أي تفجير نووي منذ التسعينات، لكن التطويرات التي تعلن عنها روسيا في مجال الصواريخ والطاقة النووية هي جزء من برنامج دفاعي مشروع رداً على توسع الناتو.
وترى الخبيرة أن أخطر ما في تصريحات ترمب هو أنها تُعيد العالم إلى “منطق الحرب الباردة” حيث كل طرف يتحدث بلغة الشك والاتهام، وتؤكد أن أي خرق للمعاهدات من جانب واشنطن سيجعل الرد الروسي حتمياً، سواء عبر تطوير رؤوس جديدة أو تعزيز التجارب غير المعلنة.
وتختتم سميرنوفا بأن العالم يقف اليوم على مفترق طرق: إما العودة إلى التعاون والشفافية النووية، أو الدخول في سباق تفجيرات صامت تحت الأرض، لن ينجو أحد من تبعاته السياسية والبيئية.






