أعلنت المملكة العربية السعودية تدشين أول سريّة من منظومة الدفاع الجوي الصاروخي المتقدم “ثاد”، وفقًا لما أوردته وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس). الخطوة، التي تندرج ضمن مشروع وطني موسّع لتعزيز قدرات الدفاع الجوي، تعكس توجهاً متصاعدًا في السياسة الدفاعية السعودية نحو امتلاك أدوات أكثر تطورًا لمواجهة المخاطر المحتملة في منطقة لا تعرف الاستقرار.
تصعيد إقليمي يُعيد ترتيب الأولويات
جاء الإعلان السعودي في أعقاب تصعيد عسكري لافت بين إيران وإسرائيل، كشف عن هشاشة التوازنات في الإقليم وأعاد تسليط الضوء على الدور المتنامي للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في صراعات المنطقة. ومع أن مسؤولين ومراقبين يعتبرون أن برنامج “ثاد” خيار إستراتيجي تم الإعداد له بعيدًا عن أي ظرف طارئ، فإن التوترات الأخيرة ساهمت في إبراز الحاجة المُلِحّة لتسريع وتيرة إدخاله حيّز التنفيذ.
خطر لا يعترف بالجغرافيا
رغم التحسن اللافت في العلاقات السعودية الإيرانية، والذي تُوّج بإعادة فتح السفارات وتوقيع اتفاقيات تعاون، فإن الخطر لا يبدو منحصراً في الخصومات التقليدية بين الدول. فالميليشيات العابرة للحدود باتت اليوم أكثر جرأة وتسليحًا، بدءًا من الحوثيين في اليمن الذين نجحوا في تطوير قدراتهم الصاروخية، وصولًا إلى بعض الفصائل المسلحة في العراق، والتي لا تخضع بالكامل لسلطة الدولة. هذا التهديد غير النظامي، وغير المتوقع أحيانًا، يدفع المملكة إلى تفعيل أدوات ردع متقدمة.
ذكريات الهجمات على “أبقيق”
الهجمات التي استهدفت منشآت شركة “أرامكو” في أبقيق عام 2019، لا تزال ماثلة في الأذهان. حينها، أخفقت الدفاعات الجوية في رصد واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، مما أدى إلى اشتعال النيران وإلحاق أضرار بالغة بالبنية التحتية النفطية الحيوية. وقد شكّلت تلك الهجمات نقطة تحول في التفكير الإستراتيجي السعودي تجاه مسألة الأمن القومي، خاصة في ظل ما وصفه البعض بـ”الفتور الأميركي” في الاستجابة، رغم الاتفاقيات الدفاعية القائمة بين الجانبين.
الاعتماد على الذات في الدفاع
يعكس توطين منظومة “ثاد” توجهًا سعوديًا واضحًا نحو تقليص الاعتماد على الحماية الخارجية والبدء في تشكيل بنية دفاعية وطنية أكثر استقلالًا. ويؤكد مسؤولون أن استكمال عمليات اختبار وفحص وتشغيل المنظومة، إلى جانب تدريب العناصر البشرية على إدارتها، سيجعل من “ثاد” ركيزة رئيسية في منظومة الردع السعودية المستقبلية.
“ثاد”: درع ضد التهديدات الإستراتيجية
يُعد نظام “ثاد” (THAAD – Terminal High Altitude Area Defense) من بين أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطورًا عالميًا، حيث يتمتع بقدرة عالية على اعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي للأرض، ما يُوفّر هامشًا زمنيًا ومكانيًا أكبر للرد. وتمثل هذه التقنية إضافة نوعية في مواجهة التهديدات الإستراتيجية، خصوصًا مع تغير طبيعة الحرب الحديثة وتطور الوسائل المستخدمة فيها.
قراءة في السياق الأشمل
لا يمكن فصل هذه الخطوة عن التحولات الأشمل في العقيدة الأمنية السعودية، والتي باتت تراهن أكثر على جاهزية ذاتية تعزز الاستقلالية في القرار الدفاعي. فبينما تبقى الشراكات مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن الخليجي، فإن المتغيرات المتسارعة تُحتّم على الدول مثل السعودية أن تكون مستعدة للأسوأ حتى في ظل أفضل السيناريوهات الدبلوماسية.






