يواجه حي الشيخ جرّاح في القدس المحتلة مرحلة جديدة من التصعيد الاستيطاني، مع اعتماد سلطات الاحتلال الإسرائيلي مخططاً لإقامة مدرسة دينية يهودية كبيرة تضم مساكن مخصصة للطلاب في قلب الحيّ الفلسطيني، هذه الخطوة ليست مجرد مشروع تعليمي، بل تأتي في سياق سياسة ممنهجة لتغيير الطابع الديمغرافي للحي وتهويد مناطق القدس الشرقية، بما يكرس السيطرة الإسرائيلية ويزيد من الضغوط على السكان الفلسطينيين.
المشروع يسلط الضوء على استمرار نزاع الملكية بين الفلسطينيين والمستوطنين، وعلى استخدام القوانين الإسرائيلية، مثل قانون أملاك الغائبين، لتسريع الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، حيث يشير خبراء ومراقبون إلى أن هذا المخطط ليس منعزلاً، بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تهويد الأحياء الفلسطينية تدريجياً، وفرض واقع استيطاني جديد يحدّ من قدرة السكان على مقاومة التهجير القسري، ويحول الحي إلى ساحة جديدة للتوتر والصراع في القدس.
مخطط إسرائيلي لتكريس السيطرة على الشيخ جراح
ويقضي المشروع ببناء مدرسة دينية تحمل اسم “أور سامياح”، نسبة إلى كتاب توراتي ألفه الحاخام مئير سيمحا هاكوهين مطلع القرن الماضي، إلى جانب مساكن مخصّصة لنحو 200 طالب يهودي، بما يعزز الوجود الاستيطاني والديني اليهودي داخل الأحياء الفلسطينية في القدس المحتلة. وينظر إلى المشروع بوصفه امتداداً لمخططات إسرائيلية تهدف إلى تكريس السيطرة على الشيخ جراح، الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة حول الاستيطان والتهجير القسري في القدس.
حيّ الشيخ جرّاح هدف للاحتلال منذ سنوات طويلة، موضحاً أنّ أكثر من 90% من مناطق القدس الشرقية هُوّدت بصورة كاملة، وصار الاستيطان منتشراً فيها على شكل مساكن أو مراكز خدمات أو مؤسسات أو مدارس. وبعدما كان الحيّ الغربي في الشيخ جرّاح من المناطق الأقلّ عرضة للتهويد، كما أن مخطّط في المنطقة لإقامة ما يشبه مستوطنة تضمّ نحو 250 وحدة استيطانية إلى جانب المدرسة الدينية، بهدف تثبيت الوجود الإسرائيلي في كلّ أحياء القدس المحتلّة، حسب تصريحات مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية زياد الحموري لـ”العربي الجديد”.
الاحتلال يبدأ عادةً الاستيطان – وفقا للحموري – في مثل هذه الأحياء من خلال إقامة مؤسسات إسرائيلية، من قبيل مكتب البريد أو التأمين الوطني، ثم يتوسّع بصورة كبيرة في التهويد السكني؛ فالمستوطنون يسكنون في كلّ موقع تُتاح لهم الفرصة فيه، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي من هذا المشروع، يتمثّل في الوصول إلى التهويد الكامل لمدينة القدس، سواء من خلال ادّعاءات الملكية اليهودية، أو المصادرة، أو تصنيف الأراضي تحت مسمّى “أملاك حكومية”، مشدّداً على أنّ النتيجة النهائية واحدة، وهي فرض السيطرة الكاملة على القدس.
شرعنة مشاريع الاحتلال الاستيطانية
ويحذّر مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من أنّ القدس تشهد تغيّرات يومية متسارعة، إذ تظهر تطوّرات استيطانية جديدة بصورة مستمرة، مستشهداً بما حدث حين جرى، للمرّة الأولى في عام 1967، إجبار المدارس على التعطيل في ما يُسمّى “يوم الاستقلال الإسرائيلي”، الذي صادف فيه الثاني والعشرين من شهر مايو/ أيار الجاري.
الحي يشكل نموذجاً لسياسات التهويد الإسرائيلية، موضحاً أن الحيّ الشرقي يشهد توسعاً متزايداً في الوجود اليهودي والخدمات الاستيطانية، فيما يواجه الحي الغربي، المعروف باسم “كبانية أم هارون”، مخاطر تهجير واسعة بعد صدور قرارات إخلاء بحق المنازل الفلسطينية فيه. حسب تصريحات عضو لجنة الدفاع عن حي الشيخ جراح، يعقوب عرفة، لـ “العربي الجديد”.
سلطات الاحتلال – حسب عرفة – تسعى إلى شرعنة مشاريعها الاستيطانية في المنطقة، بما يشمل المدرسة الدينية الجديدة، إلى جانب مخطط لإقامة حيّ استيطاني على أراضي مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” في الحي. مشيرًا إلى أن المشروع الجديد يُقام بمحاذاة خط عام 1967، حيث شق شارع استيطاني ملاصق للموقع المخصّص للمدرسة، في إطار مساع إسرائيلية لربط القدس الغربية بالقدس الشرقية وفرض أغلبية يهودية في المدينة.
أكاذيب الاحتلال بشأن أراضي الشيخ جراح
ويضيف عرفة أنّ على الرغم من وجود أوراق ملكية ثبوتية وقضايا رُفعت في المحاكم الإسرائيلية، فإنّ الاحتلال ادّعى أنّها ملكية يهودية وليست مؤجّرة، وصدر بالتالي قرار بالاستيلاء عليها بحجّة أنّ الأرض تندرج، مع ما عليها، من ضمن قانون أملاك الغائبين الصادر في عام 1950، الذي أتاح لدولة الاحتلال استملاك أراضٍ بحجّة أنّ أصحابها غير موجودين.
ويبيّن عرفة أنّ الاحتلال يحوّل هذه الأملاك المستولى عليها إلى الجمعيات الاستيطانية والمشاريع التهويدية، لافتاً إلى أنّ مخطّط المدرسة الدينية يشمل مبنى من 11 طبقة، إلى جانبه مساكن لأكثر من 200 طالب، بالإضافة إلى مساكن يهودية أخرى لغير الطلاب.
ويقطن الحي الغربي من الشيخ جراح مئات الفلسطينيين في ما لا يقل عن 30 منزلاً، في وقت استولت فيه سلطات الاحتلال خلال السنوات الماضية على أجزاء من أراضي الحي، وأقامت عليها منشآت إسرائيلية، من بينها مبنى تابع لمؤسسة “التأمين الوطني الإسرائيلي” ومركز صحي لصندوق المرضى.
وفي ما يتعلّق بجذور الملكية، يوضح عضو لجنة الدفاع عن حيّ الشيخ جرّاح أنّ مساحة الأرض المستولى عليها تتخطّى ستّة دونمات وتعود لعائلة عبد ربه، علماً أنّ امرأة يهودية كانت قد استأجرت الأرض قبل عام 1948 في خلال فترة الإدارة الأردنية للأراضي الفلسطينية المحتلّة.




