الضفة الغربية، التي يُفترض أنها المتنفس الأخير للفلسطينيين بعيداً عن جحيم العدوان المتواصل على غزة، تحولت هي الأخرى إلى ساحة مفتوحة لانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي. فمع كل فجر جديد، تتكرر مشاهد الاقتحامات المسلحة، واعتقال الشبان، وإغلاق المنازل، وإرهاب المدارس، في مشهد يعكس اتساع رقعة الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني بأكمله، من البحر إلى النهر.
الاقتحامات التي طالت اليوم السبت مدرسة ذكور السموع الثانوية جنوب الخليل، وما رافقها من احتجاز لمدير المدرسة وموظف آخر، تؤكد أن الاحتلال لا يستثني المؤسسات التعليمية من دائرة استهدافه، في محاولة واضحة لإرسال رسالة ردع وتخويف للأجيال الناشئة. العبث بمحتويات الغرف الصفية والإدارية يتجاوز كونه عملاً عشوائياً، فهو يهدف إلى ضرب أحد أهم ركائز المجتمع الفلسطيني: التعليم، باعتباره خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية والذاكرة الجمعية.
الاقتحامات الليلية روتين يومي
وفي طولكرم، لم يسلم المسنون من عنف الجنود، إذ أصيب رجل مسن برصاص الاحتلال، في واقعة تختصر طبيعة السياسة الإسرائيلية القائمة على مبدأ العقاب الجماعي، حيث لا ينجو طفل أو شيخ أو امرأة من دائرة الخطر. أما في بلدات القدس المحتلة مثل كفر عقب وحي المطار، فقد تحولت الاقتحامات الليلية إلى جزء من الروتين اليومي، تتخللها قنابل الغاز والصوت، لتترك خلفها أجواء من الرعب والاختناق، دون أن يكون هناك أي ذريعة أمنية حقيقية سوى ترسيخ الهيمنة العسكرية.
الاستهداف الأكثر إيلاماً كان بحق عائلات الشهداء. فبعد عملية “راموت”، اقتحم الاحتلال منزلي الشهيدين محمد بسام طه ومثنى ناجي عمرو في بلدتي قطنة والقبيبة، وأصدر أوامر بمصادرة وإغلاق المنزلين. هذه السياسة التي تهدف إلى معاقبة العائلات على أفعال أبنائها ليست جديدة، بل هي امتداد لعقيدة استعمارية قديمة ترسخ منطق الانتقام بدل القانون، وتحوّل البيوت الآمنة إلى رموز للعقوبة الجماعية، بما يضاعف الألم النفسي والاجتماعي للأسر الفلسطينية.
إفراغ الضفة
في موازاة ذلك، تواصلت الاعتقالات في بلدات مختلفة من رام الله وقلقيلية وشعفاط، حيث جرى اعتقال شبان فلسطينيين، بينما أصيب آخرون بجروح خطيرة في سياق المواجهات المرافقة للاقتحامات. هذه الاعتقالات لا يمكن قراءتها كعمليات أمنية بحتة، بل كجزء من حملة منظمة لإفراغ الضفة من طاقاتها الشبابية الفاعلة، وشل قدرتها على المقاومة الشعبية والمدنية.
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، تزايدت وتيرة هذه الانتهاكات في الضفة بشكل لافت، حيث استشهد أكثر من ألف فلسطيني برصاص الجيش والمستوطنين، وأصيب نحو سبعة آلاف آخرين، فيما تجاوز عدد المعتقلين 19 ألفاً، بحسب إحصائيات فلسطينية. هذه الأرقام تكشف عن حقيقة أن الضفة الغربية ليست ساحة جانبية للأحداث، بل هي ميدان متكامل لسياسة الإبادة والتهجير والهيمنة، وإن بأدوات تختلف في الشكل لكنها تتطابق في الجوهر مع ما يجري في غزة.
تفكيك المجتمع الفلسطيني
المأساة هنا مزدوجة: من جهة يتعرض الفلسطينيون في الضفة لحملة قمع منهجية تُحاصر حياتهم اليومية من المدارس حتى المستشفيات، ومن جهة أخرى يتم تصوير هذه الاعتداءات على أنها إجراءات أمنية في سياق “مكافحة الإرهاب”. وبين الخطابين، يختنق الواقع الفلسطيني بالدم والدموع، في ظل غياب أي حماية دولية أو مساءلة حقيقية لإسرائيل.
ما يجري في الضفة الغربية يكشف أن المشروع الإسرائيلي لا ينحصر في ضرب غزة أو مواجهة حركة بعينها، بل في تفكيك المجتمع الفلسطيني بأسره، عبر نشر الخوف، وتدمير المؤسسات، وملاحقة الأفراد. إنها مأساة يومية متراكمة، لكنها أيضاً شاهد حي على صمود شعب يواجه آلة عسكرية متفوقة بإرادة لا تنكسر، حتى وإن دفع ثمناً باهظاً من دمائه وأحلامه.




