فجّرت كارثة حريق «هايبر ماركت الكوت» موجة غضب عارمة في الشارع العراقي، ليس فقط بسبب العدد الكبير للضحايا الذين قضوا في ألسنة اللهب، بل لأنها كشفت هشاشة منظومة السلامة في المباني التجارية والمراكز العامة، ما دفع السلطات إلى إعادة النظر بجميع الموافقات والإجازات الإنشائية في عموم البلاد.
وفيما تتسارع إجراءات الحكومة لإغلاق المشاريع والمراكز التي تفتقر إلى شروط الأمان، يناقش البرلمان تداعيات الفاجعة وسط انقسام سياسي حاد، بينما تتصاعد الاحتجاجات في محافظة واسط، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الكارثة.
حملة غلق واسعة تشمل مئات المنشآت
بتوجيه من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بدأت وزارة الداخلية العراقية، بالتعاون مع الدفاع المدني، في حملة واسعة النطاق لإغلاق المحلات والمراكز التجارية التي ثبت ميدانياً عدم التزامها بشروط السلامة.
وفي أول 48 ساعة فقط، أعلنت الوزارة غلق 1118 مشروعاً في أنحاء متفرقة من البلاد، منها 153 مشروعاً في النجف، و482 في كربلاء، وذلك ضمن خطوات احترازية مع قرب زيارة عاشوراء والأربعينية.
وقال اللواء مقداد ميري، مدير إعلام وزارة الداخلية، في مؤتمر صحافي إن “هذه الحملة تمثل إجراءات وقائية هدفها الحفاظ على أرواح المواطنين وممتلكاتهم”، مشيراً إلى أن الغلق استند إلى المادة (20/ثالثاً) من قانون الدفاع المدني.
تسليم جثث مجهولة الهوية.. وغضب شعبي متصاعد
في مستشفى الكوت، سُلمت 18 جثة متفحمة لذوي الضحايا، لم يُتمكن من تحديد هوياتهم، من بين 80 ضحية سقطوا في الحريق الذي اندلع في مركز التسوق.
الصور التي انتشرت للضحايا، ومن بينها صورة الطالبة رغد التي قضت مع شقيقاتها، زادت من حدة الغضب الشعبي، الذي ترجم إلى مظاهرات عارمة في واسط، تطالب بإقالة المحافظ ومحاسبة كل المتورطين في منح الموافقات الإنشائية لمباني غير مؤهلة.
إجراءات قضائية تطال مسؤولين كباراً
لم تكتف السلطات بالإجراءات الوقائية، بل بدأت حملات تحقيق ومساءلة، حيث أعلنت هيئة النزاهة القبض على مدير بلدية الكوت الأسبق، بسبب “المخالفات المرتكبة في إنشاء هايبر ماركت الكوت”.
كما نُفذت أوامر قبض بحق 10 مسؤولين آخرين، من بينهم مدير الدفاع المدني في واسط، ومدير الطرق والجسور، ومسؤول التجاوزات في البلدية، بعد ثبوت تقصيرهم في تطبيق معايير السلامة.
البرلمان يناقش وسط انقسام.. والنواب يطالبون بمساءلة المسؤولين
رغم هول الكارثة، لم ينعقد البرلمان العراقي على النحو الذي طالب به النواب الغاضبون من التقصير الحكومي.
فقد صرّح النائب حيدر السلامي بأن جلسة البرلمان التي عُقدت لمناقشة الحادثة كانت عامة بين النواب فقط، دون استضافة المسؤولين التنفيذيين المعنيين مثل رئيس الوزراء أو وزير الداخلية أو محافظ واسط.
وقال السلامي: “ما حصل يؤكد استمرار المجاملات السياسية على حساب أرواح الناس”، مشيراً إلى أن الجلسة خرجت بلا فائدة تذكر.
تسييس المأساة.. وتشكيك في دوافع الاحتجاجات
في المقابل، حاول محافظ واسط محمد جميل المياحي التقليل من أهمية المظاهرات، معتبراً أنها موجّهة ضده شخصياً من خصوم سياسيين، وليست بدافع الغضب الشعبي على الكارثة.
بينما شككت جهات سياسية أخرى بدوافع التظاهرات التي اجتاحت الكوت، معتبرة أنها “ليست عفوية”، وهو ما أثار جدلاً جديداً حول تسييس المأساة وتوجيه الغضب الشعبي لخدمة صراعات داخلية.
خطة وطنية جديدة لتفادي الكوارث
أمام هذا الواقع المتوتر، يبدو أن العراق مقبل على تغييرات جذرية في إدارة ملف المباني والأسواق التجارية.
حيث أطلقت معظم المحافظات حملات تدقيق واسعة لكل الإجازات والموافقات السابقة، وأمهلت البلديات المواطنين والمستثمرين من 10 إلى 30 يوماً لتصحيح أوضاعهم القانونية، تحت طائلة الغلق أو الإزالة.
وفيما تتواصل التحقيقات، يترقب العراقيون خطوات حاسمة تُنهي عصر الاستهتار بالأرواح، وتضع حداً لمأساة كان يمكن تفاديها.






