تعيش مدينة الفاشر غرب السودان على وقع صدمة إنسانية غير مسبوقة منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليها في السادس والعشرين من أكتوبر، وسط توثيقات مروّعة لعمليات قتل جماعي وتعذيب ونهب واغتصاب، وصورٍ تُعيد إلى الأذهان مشاهد دارفور قبل عقدين.
السفارة الأميركية في الخرطوم أصدرت بيانًا شديد اللهجة عبّرت فيه عن “قلق بالغ إزاء التصعيد المروع للعنف والهجمات ضد المدنيين”، ودعت قيادة الدعم السريع إلى وقف فوري للهجمات، مؤكدة أن الاستهداف المتعمد للفئات الضعيفة “شائن وغير مقبول على الإطلاق”.
هذه ليست مجرد لغة دبلوماسية غاضبة، بل إشارة سياسية صريحة إلى أن واشنطن باتت ترى في محمد حمدان دقلو (حميدتي) عبئًا أخلاقيًا لا شريكًا محتملًا في أي تسوية قادمة.
حميدتي يعترف… ولكن متأخرًا
في مواجهة الموجة العارمة من الغضب الدولي التي أعقبت سقوط مدينة الفاشر بيد قواته، حاول محمد حمدان دقلو (حميدتي) إنقاذ ما يمكن إنقاذه من صورته أمام الخارج. فبعد صمتٍ استمر أيامًا، خرج بخطابٍ متلفز اعترف فيه للمرة الأولى بوقوع “انتهاكات” ارتكبتها قوات الدعم السريع، متعهّدًا بمحاسبة مرتكبيها.
أعلن حميدتي تشكيل لجان تحقيق عسكرية وقانونية، وتحدث عن اعتقال عددٍ من المتورطين، على رأسهم الرجل الذي صار اسمه مرادفًا للرعب في السودان — أبو لولو — المتهم بتنفيذ إعدامات ميدانية لأسرى ومواطنين في الفاشر.
لكنّ هذا الاعتراف المتأخر بدا، في نظر المراقبين، محاولة تبرير أكثر منه مراجعة حقيقية. فالقانون الدولي لا يمنح القادة حصانة لمجرد إعلانهم التحقيق أو معاقبة بعض الأفراد. المادة 28 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تنص بوضوح على مبدأ “مسؤولية القائد”، أي أن القائد العسكري أو السياسي يُعتبر مسؤولًا عن الجرائم التي ترتكبها قواته إذا كان يعلم بها أو يفترض أن يعلم، ولم يتخذ التدابير الكافية لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
بمعنى آخر، فإن تصريحات حميدتي لا تنفي المسؤولية، بل قد تُستخدم ضده كدليل على علمه المسبق بالانتهاكات. فحين يعترف بوقوعها، ويعلن أن “لجانًا وصلت للتحقيق”، فهو يُقرّ ضمنيًا بأن قواته خرجت عن السيطرة، أو أنها تصرفت بعلمه وتغاضيه.
وهو ما يجعل المساءلة هنا سياسية وقانونية في آنٍ واحد: سياسية لأن الرجل فشل في الحفاظ على الحد الأدنى من الانضباط داخل تشكيله العسكري، وقانونية لأن هذه الانتهاكات وُصفت من قبل الأمم المتحدة ومنظمات دولية بأنها “واسعة النطاق وممنهجة” — وهو التوصيف ذاته الذي استُخدم عام 2009 لتبرير إصدار مذكرة توقيف دولية بحق عمر البشير.
في هذا السياق، يتحدث دبلوماسيون غربيون عن أن ما فعله حميدتي لا يشبه “تحقيقًا داخليًا”، بل مناورة لشراء الوقت في مواجهة ضغوط تتصاعد من مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية. فالعالم لم يعد ينظر إليه كقائدٍ يتحكم في رجاله، بل كمسؤولٍ عن منظومة عنفٍ متوحشة خرجت من رحم قواته، وأنتجت نماذج مثل “أبو لولو” الذي تحوّل إلى دليل حيّ على انحلال الانضباط العسكري والأخلاقي داخل الدعم السريع.
وفي ظلّ هذا الإدراك الدولي المتزايد، يبدو أن محاولات حميدتي لـ“احتواء الأزمة” لا تعدو كونها الخطوة الأولى على طريق الاتهام الرسمي، فكل تصريحٍ يقدّمه اليوم قد يُستخدم غدًا كقرينة ضده في ملفّ لاهاي الجديد الذي يُعاد فتحه من دارفور، من المدينة التي كشفت للعالم الوجه الحقيقي لقائدٍ ظنّ أن اعترافًا متأخرًا قد يُنقذه من مصيرٍ محتوم.
من “القوة الصاعدة” إلى “المنبوذ الدولي”
الفاشر… مرآة لانهيار الدولة وتغول “أبو لولو ” السفاح
رمزية ما حدث في الفاشر تتجاوز المأساة الإنسانية المجرّدة لتكشف عن وجه الحرب في السودان حين تفلت من أي ضابطٍ أخلاقي أو سياسي. فظهور شخصية مثل “أبو لولو” — الرجل الذي تحوّل خلال أيام إلى رمزٍ للرعب والوحشية — لم يكن حدثًا عرضيًا، بل نتيجة طبيعية لانهيار التسلسل القيادي داخل قوات الدعم السريع، وتحوّلها من قوة شبه نظامية إلى كيانٍ فوضوي يضم خليطًا من المقاتلين المرتزقة والعناصر الخارجة عن السيطرة.
أبو لولو، الذي وثّقت مقاطع مصوّرة مشاركته في إعدامات ميدانية لأسرى ومواطنين في الفاشر، لم يكن مجرّد جنديٍ متمرّد. لقد مثّل، في نظر كثيرين، تجسيدًا مصغّرًا لذهنية الحرب الجديدة التي تسيطر على دارفور: قتلٌ أمام الكاميرا، وتوثيقٌ للتباهي، وتحوّل الجريمة إلى محتوى رقمي يوزّع عبر المنصات.
في تسجيلاته الصوتية، تباهى الرجل بقتل “قرابة ألف شخص” وتحدث عن قيادته “مجموعة خاصة” لا تتبع لأحد، في إشارةٍ واضحة إلى تفكك السلسلة القيادية داخل الدعم السريع. وحتى حين حاولت القيادة التبرؤ منه، بدا ذلك أشبه بمحاولة إنقاذ صورةٍ تتهشم أمام العالم.
رمزية “أبو لولو” إذن لا تكمن فقط في جرائمه، بل في ما يمثله من انهيارٍ عميق للدولة والسلاح والضمير. فهو مرآة لحالة السودان الراهنة: بلد فقد مؤسساته، وجيشه منقسم، وميليشياته تتنازع الشرعية، وقادته السياسيون يتفرجون من المنفى أو من المخابئ.
ولعل الأخطر أن وجود أمثال “أبو لولو” بات نتاجًا بنيويًا للحرب لا استثناءً منها، حيث تتغذى الفوضى على غياب القانون، ويتحوّل القتل إلى وسيلة لإثبات الولاء أو فرض النفوذ.
حتى إعلان حميدتي سحب قواته من الأحياء السكنية ونشر وحدات شرطة تابعة له بدا، في نظر المراقبين، مناورة علاقات عامة أكثر منه قرارًا ميدانيًا فعالًا. فالمجتمع الدولي لم يعد يصدّق أن “القائد الأعلى” لا يعرف ما يجري باسمه، أو أن الانتهاكات التي تُبث على المنصات علنًا يمكن تصنيفها كـ “سلوكيات فردية”.
في النهاية، أبو لولو ليس شخصًا واحدًا؛ إنه علامة على مرحلة كاملة في حربٍ خرجت من أيدي صانعيها، وبدأت تلتهم من أشعلها.
انهيار الشرعية الدولية
على المستوى السياسي، يمكن القول إن محمد حمدان دقلو (حميدتي) دخل مرحلة العزلة الدولية الكاملة، حتى لو واصل تقدمه العسكري ميدانيًا. فالعواصم الكبرى التي كانت تتعامل معه في السابق كقوة أمر واقع — قادرة على التأثير في مسار الحرب أو التفاوض — باتت تراه اليوم عبئًا على أي عملية سياسية مقبلة.
لقد سقطت عنه صورة “القائد الضروري” الذي يمكن إشراكه في الحل الانتقالي، لتحلّ محلها صورة زعيم ميليشيا متهم بارتكاب جرائم حرب وإبادة، بعد أن تحولت الفاشر إلى عنوانٍ دامٍ لعجزه عن ضبط قواته، أو ربما لتواطئه في إدارة العنف بشكل منهجي.
حتى الأمم المتحدة، التي اعتادت لعقود استخدام لغة حذرة في توصيف الصراع السوداني، بدأت تنزاح تدريجيًا نحو خطابٍ واضح وغير مسبوق. ففي بياناتها الأخيرة، استخدمت تعبيرات مثل “جرائم حرب” و“انتهاكات جسيمة ضد المدنيين”، وهو توصيف قانوني يحمل وزنًا سياسيًا كبيرًا، لأنه يمهّد الطريق لفتح تحقيق دولي رسمي تحت الفصل السابع، وربما لتدخل مباشر من المحكمة الجنائية الدولية.
أما في العواصم الغربية، فقد تراجعت أي محاولات لتقديم حميدتي كفاعل “قابل للترويض”. ففي واشنطن ولندن وباريس، يُنظر إليه الآن باعتباره نسخة مكررة من عمر البشير في لحظاته الأخيرة: زعيمٌ محاصر بالعقوبات، منبوذ دبلوماسيًا، ومقطوع الصلة بأي مبادرة سياسية.
وفي حال صدور مذكرة توقيف دولية بحقه، فإن المشهد سيُغلق بالكامل: لن يكون حميدتي بعد اليوم طرفًا في أي مفاوضات، بل ملفًا في لاهاي، تطارده صور الفاشر وشهادات الناجين منها.
لقد خسر الرجل ما هو أخطر من المعارك أو المدن — خسر شرعيته السياسية والإنسانية. فحتى لو ربح الحرب، فلن يستطيع تبييض اسمه أمام العالم، الذي بدأ يتعامل معه باعتباره رمزًا لفشل الدولة السودانية، لا بوادر خلاصها.
هل تمهّد الفاشر طريق حميدتي نحو لاهاي؟
لم يعد السؤال في الأوساط الدبلوماسية ما إذا كان حميدتي ارتكب انتهاكات، بل متى ستبدأ الآلية الدولية بمحاسبته. فالمشهد في الفاشر — كما تصفه منظمات الأمم المتحدة والعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش — تجاوز حدود “الانتهاكات الميدانية” إلى جرائم ممنهجة ترقى إلى الإبادة الجماعية.
وتؤكد مصادر أممية أن مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية بدأ بالفعل جمع إفادات وشهادات ميدانية من سكان دارفور عبر وسطاء محليين، تمهيدًا لفتح ملف جديد على غرار ملف عمر البشير عام 2009.
وفي حال أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق حميدتي، فإن السودان سيجد نفسه أمام مشهدٍ معكوس: قائد جديد يواجه مصير سلفه، والعالم أمام جولة ثانية من العدالة المؤجلة في دارفور.
لكن الفارق هذه المرة أن الظروف الدولية أكثر صرامة: فجرائم الحرب باتت على رأس أولويات السياسة الغربية بعد أوكرانيا وغزة، والمزاج العالمي لم يعد يتسامح مع “القادة الميليشياويين” حتى لو انتصروا ميدانيًا.






