في ظل تسارع التطورات الإقليمية وتصاعد منسوب التوتر في أكثر من ساحة، قادت مصر تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا على أعلى المستويات، في محاولة لاحتواء المخاطر ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة. وبحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، أجرى وزير الخارجية بدر عبد العاطي، بتوجيه مباشر من الرئيس عبد الفتاح السيسي، سلسلة اتصالات هاتفية رفيعة المستوى يوم الأربعاء 14 يناير، شملت أطرافًا إقليمية ودولية مؤثرة في ملفات الشرق الأوسط.
المحادثات ضمّت وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، ووزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إضافة إلى المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، في مؤشر على تحرك مصري واسع النطاق يتجاوز حدود ملف واحد.
خفض التصعيد… أولوية عاجلة
في مواجهة المشهد المتفجر، سواء في الأراضي الفلسطينية أو على خط التوتر مع إيران، شدد عبد العاطي ومحاوروه على ضرورة خفض التصعيد بشكل عاجل، محذرين من أن استمرار التوتر قد يدفع المنطقة إلى “عدم الاستقرار والفوضى”.
ووفق البيان، توافق المشاركون على أن اللحظة الراهنة تتطلب تهيئة بيئة مواتية للحلول الدبلوماسية والتسويات السياسية، باعتبارها السبيل الوحيد للحفاظ على الأمن الإقليمي ومنع اتساع رقعة الصراع، في وقت تبدو فيه خيارات القوة محفوفة بعواقب يصعب احتواؤها.
مساعٍ خليجية لفرملة خيار الحرب مع إيران
بالتوازي مع التحرك المصري، كشف مسؤول سعودي رفيع المستوى لوكالة فرانس برس أن السعودية وقطر وسلطنة عمان تجري مشاورات مباشرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة لإقناعه بعدم شن هجوم على إيران.
وحذّرت هذه الدول من “تداعيات خطيرة” قد تترتب على أي مواجهة عسكرية، في إشارة إلى مخاطر توسيع دائرة الصراع، وتهديد أمن الطاقة، واستقرار الممرات البحرية، فضلًا عن انعكاساته المباشرة على دول الخليج والمنطقة بأسرها.
هذا التناغم النسبي بين الجهد المصري والخليجي يعكس إدراكًا إقليميًا متزايدًا بأن أي شرارة جديدة قد تخرج عن السيطرة، خصوصًا في ظل تداخل الملفات بين غزة، وإيران، وأمن البحر الأحمر.
غزة في قلب التحرك: نحو المرحلة الثانية من خطة ترامب
احتل قطاع غزة موقع الصدارة في الاتصالات التي قادها وزير الخارجية المصري، حيث انصبت النقاشات على الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتضمنت المداولات مقترحات بنشر قوة استقرار دولية للإشراف على وقف إطلاق النار، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، إلى جانب تهيئة الظروف اللازمة للتعافي المبكر وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
كما شدد الدبلوماسيون على ضرورة الالتزام بالتعهدات الواردة في هذه المرحلة، لا سيما ما يتعلق بتفعيل عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينيين، باعتبارها حجر الأساس لأي إدارة انتقالية مستقرة في غزة.
لجنة فلسطينية… إدارة بلا فصائل
وفي خطوة عملية، أعلنت القاهرة يوم الخميس عن تشكيل لجنة فلسطينية من 15 خبيرًا فنيًا، تتولى إدارة شؤون قطاع غزة، برئاسة علي عبد الحميد شعث، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية.
وتُقرأ هذه الخطوة كجزء من محاولة مصرية لفصل إدارة القطاع عن التجاذبات الفصائلية، وخلق نموذج إداري مؤقت قادر على التعامل مع الملفات الإنسانية والخدمية، تمهيدًا لمسار سياسي أوسع.
إشادة دولية بالدور المصري
في ختام الاتصالات، عبّر المبعوثون والدبلوماسيون المشاركون عن امتنانهم للدور “المحوري” الذي تلعبه مصر في هذه المرحلة الدقيقة. ورحبت الأطراف المختلفة بالجهود المكثفة التي تبذلها القاهرة لدعم مسارات السلام وتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط.
كما اتُفق على مواصلة التنسيق الوثيق خلال الأيام المقبلة، في ظل قناعة مشتركة بأن نافذة الدبلوماسية لا تزال مفتوحة، لكنها قد تُغلق سريعًا إذا فشلت جهود التهدئة.
القاهرة… رهان الاستقرار الأخير
التحرك المصري الأخير يعكس سعيًا واضحًا لإعادة تثبيت منطق الوساطة في لحظة تميل فيها المنطقة نحو حافة التصعيد. وبين غزة، وطهران، وواشنطن، تحاول القاهرة الإمساك بخيوط متشابكة، في سباق مع الوقت لاحتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى انفجار شامل قد يصعب إيقافه.




