يبدو أن اللقاء المنتظر بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب، الذي كان من المفترض أن يشكّل نقطة تحول في مسار الحرب الأوكرانية، يتلاشى قبل أن يرى النور.
بوادر اللقاء تتبدد
تصريحات الكرملين الأخيرة التي أكد فيها المتحدث ديمتري بيسكوف “عدم الحاجة حالياً لعقد اجتماع بين الزعيمين”، حملت رسائل سياسية واضحة بأن موسكو لا ترى في واشنطن شريكاً جاهزاً للتفاهم، بل طرفاً يحاول فرض أجندته دون مقابل.
منذ أسابيع، كان الأمل قائماً في أن تسفر “قمة بودابست” المرتقبة عن انفراجة دبلوماسية توقف نزيف الحرب، إلا أن المؤشرات الأخيرة جاءت بعكس التوقعات، فالولايات المتحدة قررت إلغاء اللقاء بعد أن تمسكت موسكو بمطالبها التي اعتُبرت “متعنتة”، وعلى رأسها تنازل كييف عن أراضٍ جديدة كشرط لوقف النار. خطوة أعادت الأجواء إلى نقطة الصفر، وأظهرت حجم الهوة بين الموقفين.
ترمب، الذي يسعى لتقديم نفسه كصانع سلام قادر على إنهاء الحرب التي استنزفت الغرب، وجد نفسه أمام جدار روسي صلب. وبينما أراد أن يثبت تفوقه الدبلوماسي على إدارة بايدن السابقة، اصطدم بحقيقة أن بوتين لا ينوي تقديم تنازلات مجانية، وأنه متمسك بـ”معالجة الأسباب الجذرية” للأزمة وفق تعريفه الخاص.
وبين لغة بوتين المتشددة وتصريحات ترمب التي تميل إلى الواقعية، بدا المشهد كأنه حوار بين طرفين يعرفان جيداً ما يريدان، لكن لا أحد منهما مستعد للتراجع خطوة واحدة.
رسائل الكرملين.. رفض ناعم أم مناورة تكتيكية؟
حين يؤكد بيسكوف أن “الاجتماع ممكن من الناحية النظرية ولكن لا حاجة له الآن”، فإن ذلك لا يعني فقط غياب الرغبة، بل يعكس رغبة روسية في استخدام فكرة اللقاء كورقة ضغط. موسكو تدرك أن واشنطن تتعجل أي مظهر للحوار كي تُظهر للعالم أنها تمسك بزمام المبادرة، لذلك تردّ عليها بالبرود والانتظار.
هذا الموقف يعكس تقليداً روسياً قديماً في إدارة الأزمات: الانتظار حتى تتغير موازين القوة في الميدان قبل أي حديث عن تسوية. بالنسبة لبوتين، لا يمكن عقد قمة سلام بينما الجيش الروسي يحقق مكاسب في الشرق الأوكراني. فهو يفضّل تثبيت الواقع الجديد على الأرض، ثم التفاوض من موقع المنتصر.
في المقابل، يراهن ترمب على الوقت أيضاً، لكن لسبب مختلف. فالرئيس الأميركي يعلم أن استمرار الحرب يرهق أوروبا، ويزيد الضغوط على الاقتصادات الغربية، ما قد يدفع حلفاءه في الناتو إلى القبول بتسوية تُرضي موسكو جزئياً. وهنا تكمن المفارقة: كلا الرجلين يريد أن يتحدث لاحقاً حين تكون أوراقه أقوى.
النتيجة أن القمة تحوّلت من فرصة إلى عبء سياسي على الجانبين، بينما تظل أوكرانيا تدفع الثمن الأكبر، بين نارين لا تملكان بعد الرغبة في الإطفاء.
قمة بودابست المؤجلة.. نهاية مبكرة لمسار تفاوضي هش
ما بين إعلان الاتفاق المبدئي على القمة ثم إلغائها خلال أيام، يتضح أن مسار التفاهم بين موسكو وواشنطن لم يكن مستقراً من الأساس، فالاتصالات التي جرت بين وزيري خارجية البلدين شابها توتر حاد، وفقاً لتقارير «فاينانشال تايمز»، بسبب إصرار روسيا على “شروطها المسبقة”، ورفض واشنطن تقديم أي ضمانات تتعلق بعضوية أوكرانيا في الناتو.
هذا التباين الحاد جعل كل طرف يتهم الآخر بتقويض فرص السلام. فموسكو ترى أن واشنطن لا تملك الإرادة للضغط على كييف من أجل التنازل، فيما تعتبر الإدارة الأميركية أن بوتين يسعى لفرض استسلام مقنّع لا تسوية عادلة، وبين هذه الروايات المتناقضة، ضاعت فكرة “الاجتماع من أجل السلام”، وتحول اللقاء إلى ورقة مساومة سياسية.
كما أن إلغاء القمة كشف عن أزمة ثقة عميقة بين ترمب وبوتين، رغم الصورة الإيجابية التي حرص الطرفان على إظهارها خلال لقائهما الأول في ألاسكا منتصف أغسطس الماضي، فبينما كان اللقاء الأول مليئاً بالمجاملات والحديث عن “بداية جديدة”، جاءت التطورات الأخيرة لتثبت أن العلاقات بين الزعيمين أبعد ما تكون عن الانسجام.
ويبدو أن “قمة بودابست” التي وُلدت من رحم التفاؤل، انتهت في مهدها كدليل جديد على أن الحرب الأوكرانية لا تزال أكبر من أي وساطة، حتى لو كانت برعاية رئيس أميركي معروف بجرأته على كسر القواعد.
بين لغة الواقعية والطموح الشخصي
ترمب الذي عاد إلى البيت الأبيض وسط وعود بإعادة ترتيب السياسة الخارجية الأميركية، كان يرى في الأزمة الأوكرانية فرصة لإثبات قدرته على صنع “صفقة كبرى” تُنهي الحرب وتعيد له مجد الوسيط القوي، لكنه فوجئ بأن بوتين لم يعد ذاك الزعيم الباحث عن تسويات، بل قائد ميداني يعيش لحظة صعود ميداني.
ومع أن ترمب دعم وقف إطلاق النار على أساس “الحدود الحالية”، فإن بوتين رأى في ذلك مجرد تثبيت للوضع الذي لم يكتمل بعد من وجهة نظره، فالرئيس الروسي لا يريد تجميد الحرب قبل أن يضمن تحقيق ما يسميه “الأهداف الأمنية لروسيا”، وهي تعبير فضفاض يشمل إعادة ترسيم الحدود الأوكرانية وضمان الحياد العسكري لكييف.
في واشنطن، يرى بعض المراقبين أن تصريحات بيسكوف كانت أيضاً موجهة للداخل الروسي، لطمأنة الرأي العام بأن موسكو لا تتنازل تحت الضغط، وأنها قادرة على فرض شروطها، بينما في المقابل، يحاول ترمب أن يُظهر للناخب الأميركي أنه لا يخضع للكرملين، وأن أي تسوية قادمة ستكون “صفقة أميركية لا تنازل فيها”.
وبين هذين الخطابين، تتحول الدبلوماسية إلى سباق نفوذ إعلامي، حيث يسعى كل طرف إلى كسب النقاط قبل حتى أن تبدأ المفاوضات الحقيقية.
من ألاسكا إلى بودابست.. طريق مليء بالتناقضات
اللقاء الأول بين ترمب وبوتين في ألاسكا يوم 15 أغسطس الماضي بدا كأنه بداية جديدة في العلاقات الروسية الأميركية، فقد تحدث الزعيمان عن “نهاية الحروب العبثية” و”بداية مرحلة تفاهم استراتيجي”. لكن بعد أقل من ثلاثة أشهر، انقلبت اللهجة إلى برود وتوتر.
التحول السريع في الخطاب يعكس هشاشة الأساس الذي قامت عليه تلك العلاقة، فكل طرف حاول استثمار اللقاء لتحقيق أهدافه الخاصة: ترمب أراد إثبات أنه يستطيع إعادة روسيا إلى طاولة الحوار، وبوتين سعى إلى انتزاع اعتراف ضمني بدوره في تشكيل النظام العالمي الجديد. وعندما فشل كل منهما في الحصول على ما يريد، سقطت فكرة القمة التالية.
في الكواليس، تقول مصادر دبلوماسية إن الفريقين تبادلا مذكرات رسمية تضمنت شروطاً متناقضة إلى حد الاستفزاز، ما جعل التراجع أمراً محسوماً، فالمطالب الروسية شملت “تنازلات حدودية وضمانات أمنية”، فيما تمسكت واشنطن بـ”سيادة أوكرانيا الكاملة”. معادلة لا تلتقي في منتصف الطريق.
ولعل المدهش أن كلا الزعيمين يصرّ على وصف الآخر بـ”الشريك الممكن”، رغم أن الوقائع تقول إن الجليد يزداد سمكاً بين موسكو وواشنطن يوماً بعد يوم.
حرب بلا نهاية في الأفق
كل المؤشرات الحالية تؤكد أن الحرب الأوكرانية لن تشهد حلاً قريباً، طالما بقيت موسكو مصرة على إعادة تعريف حدودها الأمنية، وواشنطن متمسكة بدعم كييف حتى النهاية.
وفي ظل هذا الانسداد، فإن فكرة اللقاء بين بوتين وترمب أصبحت أشبه بـ”اللقاء المستحيل”، عنواناً لمرحلة سياسية يتراجع فيها الحوار وتنتصر فيها حسابات الميدان.
تؤكد تقارير استخباراتية غربية أن روسيا تُحضّر لجولة عمليات جديدة في شرق أوكرانيا، ما يعني أن أي حديث عن وقف النار قبل ذلك سيكون بلا جدوى. بينما تسعى واشنطن لتكثيف دعمها العسكري والسياسي لكييف لتقوية موقفها التفاوضي في المستقبل.
هكذا تتحول الدبلوماسية إلى غطاء مؤقت لحرب طويلة الأمد، تُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ العالمية من جديد.
ومع تزايد الحديث عن “أوروبا المتعبة” من الحرب، قد يجد ترمب نفسه قريباً أمام اختبار حقيقي: هل يستطيع إقناع بوتين بالعودة إلى الطاولة؟ أم أنه سيكتشف أن الرجل في الكرملين لا يُقنع بل يُجبر على الجلوس حين يقرر هو ذلك؟
استراتيجية إدارة الوقت
يرى د. ألكسندر فيدوروف – أستاذ العلاقات الدولية في جامعة موسكو، أن تصريحات بيسكوف الأخيرة ليست رفضاً مطلقاً، بل جزء من استراتيجية “إدارة الوقت” التي يعتمدها الكرملين منذ بداية الحرب، فموسكو، حسب رأيه، لا ترفض الحوار من حيث المبدأ، لكنها تريد أن تصل إلى لحظة تتحدث فيها من موقع قوة تامة.
ويشير إلى أن روسيا تعتبر أي لقاء مع ترمب قبل تحقيق مكاسب عسكرية كبيرة بمثابة “تجميد للنصر”، وهو ما لا يقبله بوتين في هذه المرحلة، لذلك فإن تأجيل القمة يتيح له استكمال خططه الميدانية دون أن يتعرض لضغوط سياسية داخلية.
ويضيف فيدوروف أن موسكو تراهن على أن الانقسام داخل الناتو ومعاناة أوروبا اقتصادياً سيجعلان الغرب أكثر استعداداً لتقديم تنازلات لاحقاً، ومن ثمّ، فإن “الرفض الحالي” ليس أكثر من خطوة تكتيكية في لعبة طويلة المدى.
ويختم قائلاً إن “اللقاء سيحدث في النهاية، لكن بعد أن تعلن روسيا انتهاء عمليتها العسكرية الكبرى، لا قبل ذلك”، مؤكداً أن بوتين يرى في الحوار أداة لتثبيت المكاسب لا لتحقيقها.
حوار القوة بين ترمب وبوتين
من وجهة نظر ريتشارد هاريسون – محلل في مركز الدراسات الأطلسية بواشنطن، فإن ما يجري بين ترمب وبوتين لا يمكن وصفه إلا بـ”حوار القوة”، حيث يسعى كل طرف إلى فرض منطقه عبر الميدان أولاً، ثم التفاوض لاحقاً، ويقول إن تصريحات الكرملين تعكس قناعة روسية بأن واشنطن لم تعد قادرة على فرض تسوية بشروطها كما في السابق.
ويضيف أن ترمب، رغم رغبته في إنهاء الحرب، يواجه معارضة داخلية من البنتاغون والكونغرس تمنعه من تقديم تنازلات كبرى لروسيا، لذلك فهو يفضّل إظهار التشدد إعلامياً رغم ميله الفعلي للتفاهم.
ويحذر هاريسون من أن استمرار هذه اللعبة سيقود إلى “تطبيع الحرب”، بحيث تتحول من أزمة إلى حالة دائمة تشبه الحرب الكورية، لا سلام فيها ولا هزيمة.
ويختتم تحليله قائلاً: “إذا لم يلتقِ ترمب وبوتين قريباً، فإن الحرب الأوكرانية ستدخل عامها الرابع وهي أكثر تعقيداً، لأن كل يوم تأخير يعني مزيداً من الأطراف ومزيداً من الشروط، حتى يصبح الحل أبعد من أي وقت مضى”.






