التحذيرات الأخيرة الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة ترسم صورة قاتمة ومفزعة للوضع الإنساني في قطاع غزة، حيث لا يُقتل الأطفال فقط تحت القصف، بل يموتون بصمت من الجوع والمرض وانهيار الخدمات الأساسية. في بيان مشترك نُشر اليوم الثلاثاء، أكدت منظمات أممية، بينها “اليونيسيف” و”أوتشا”، أن الأزمة تجاوزت حدود الكارثة، مشيرة إلى أن ما يحدث لا يمكن تفسيره فقط من منظور نقص الموارد، بل هو نتيجة مباشرة لانهيار كامل للأنظمة التي يفترض أن تحمي الأطفال وتؤمن احتياجاتهم الأساسية.
معاناة الأطفال
أحد أبرز أوجه الأزمة، وفق البيان، هو افتقار 96% من العائلات في غزة للمياه النظيفة، ما يجعل من الصعب على الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية البقاء على قيد الحياة حتى الوصول إلى المستشفيات. وتكمن المأساة في أن الطفل في غزة لا يُحرم فقط من الغذاء، بل من الحق في الحياة بمعناها الأشمل: ماء نظيف، رعاية طبية، بيئة آمنة، وحق في النمو. وهذا ما أكده جيمس إلدر، المتحدث باسم اليونيسيف، محذرًا من مغالطة شائعة في الإعلام العالمي توحي بأن الأمور تتحسن، بينما تشير الوقائع الميدانية إلى العكس تمامًا.
إلدر أوضح أن المساعدات الحالية لا تغطي إلا نسبة ضئيلة جدًا من الحاجة، حيث يصل الغذاء فقط إلى 30 ألف طفل، بينما يبقى أكثر من 970 ألف طفل بلا غذاء كافٍ، وهو ما وصفه بأنه “قطرة في بحر”. هذا التفاوت الحاد بين الحاجة الفعلية والإمدادات المتاحة يعكس فشلًا ممنهجًا في توفير الحد الأدنى من الدعم الإنساني، سواء بسبب العراقيل الإسرائيلية أو بسبب غياب آلية دولية فعالة لفرض تدفق المساعدات.
تدهور الوضع الإنساني
من جهته، كشف ينس لايركه، المتحدث باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، أن الهدنات أحادية الجانب التي سُمح من خلالها بدخول بعض الشحنات الإغاثية غير كافية على الإطلاق، مشددًا على أن الوضع يتطلب دخول مئات الشاحنات يوميًا على مدى شهور وسنوات، وهو ما لم يتحقق. ووصف المشهد بأنه “أزمة على حافة المجاعة”، في ظل استمرار وفاة المدنيين يوميًا بسبب الجوع والمرض، بينما تظل آلاف الأطنان من المساعدات عالقة خارج القطاع بسبب التأخيرات البيروقراطية وغياب الضمانات الأمنية.
البيان لم يغفل الإشارة إلى آثار الأزمة على المدى البعيد، حيث أكد فرحان حق، نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة، أن الأطفال الذين ينجون من الجوع الحاد قد لا ينجون من آثاره الصحية والنفسية المستقبلية، إذ إن ضعف المناعة الناتج عن سوء التغذية يهدد تطورهم البدني والعقلي على المدى الطويل. ما يحدث في غزة إذًا لا يقتصر على مأساة آنية، بل يُشكل تدميرًا ممنهجًا لجيل كامل، سيظل يعاني من تداعيات هذه الحرب لسنوات قادمة حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
وفي مشهد يعكس حجم الفجوة بين الواقع والاحتياجات، أشار التقرير إلى أن 71 مطبخًا ميدانيًا قدمت 270 ألف وجبة ساخنة في يوم واحد، منها 10 آلاف فقط للمنشآت الصحية، وهو رقم يُعد ضئيلاً للغاية بالنظر إلى أن أكثر من مليوني شخص بحاجة ماسة إلى الغذاء يوميًا. وأكد حق أن المجتمع الإنساني بحاجة إلى زيادة فورية في الإمدادات، إضافة إلى ضمان بيئة آمنة وفعالة لوصول المساعدات، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا بوقف القتال ورفع الحصار بشكل جدي.
تصعيد الخطاب الأممي
هذا التصعيد في لهجة الخطاب الأممي يعكس تحولًا في تعامل الوكالات الدولية مع الوضع في غزة؛ فمن التحذيرات العامة، انتقل الخطاب إلى توصيف مباشر لآثار الانهيار، وتسمية مسبباته دون مواربة. وهو ما قد يمهد لمزيد من الضغوط الدولية على الأطراف المعنية، وخاصة إسرائيل، لرفع القيود المفروضة على القطاع، وفتح الممرات الإنسانية بشكل مستدام.
في المحصلة، يمثل هذا البيان تأكيدًا جديدًا على أن الوضع في غزة ليس فقط كارثة إنسانية، بل حالة انهيار شامل لمقومات الحياة، في ظل صمت دولي متواطئ وعجز المنظومة الأممية عن فرض الحد الأدنى من الحماية للأطفال والسكان المدنيين. وما لم يتحقق تحرك سياسي عاجل، فإن العالم سيشهد واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في العصر الحديث تُرتكب على مرأى ومسمع الجميع.







