تتعامل مصر مع ملف الآثار المنهوبة باعتباره قضية سيادة وطنية وهوية حضارية أكثر من كونه مسألة ثقافية أو قانونية فحسب. فاستعادة القطع الأثرية التي خرجت من البلاد عبر قرون من الاحتلال والتنقيب غير الشرعي تمثل في الوعي المصري استرداداً لجزء من الذاكرة التاريخية التي شُوّهت أو تفرّقت بين المتاحف العالمية. ومن هذا المنطلق، تأتي الحملة التي أطلقها عالم المصريات الدكتور زاهي حواس لجمع مليون توقيع من مختلف دول العالم للمطالبة بإعادة عدد من القطع الأثرية البارزة، مثل حجر رشيد من المتحف البريطاني، وتمثال نفرتيتي من متحف برلين، وزودياك معبد دندرة من متحف اللوفر في باريس، باعتبارها جزءاً من معركة رمزية ودبلوماسية طويلة الأمد.
الدبلوماسية التفاوضية والضغط المعنوي
هذه الحملة الجديدة لا تنفصل عن جهود مصر الممتدة منذ عقود لاستعادة آثارها المنهوبة، لكنها تمثل مرحلة أكثر وعياً وتنظيماً في إدارة هذا الملف. فالدولة المصرية اليوم باتت تتعامل مع الموضوع ضمن إستراتيجية متكاملة تجمع بين الدبلوماسية الثقافية، والجهود القانونية، والضغط الشعبي والإعلامي، بهدف خلق رأي عام دولي مساند. وقد أثبتت التجربة أن استعادة الآثار لا تتحقق فقط عبر المرافعات القانونية، بل تحتاج إلى تعبئة أخلاقية وإنسانية تؤكد أن هذه الكنوز تمثل تراثاً وطنياً لا يجوز احتجازه خلف جدران متاحف أجنبية.
تاريخياً، خرجت آلاف القطع الأثرية من مصر خلال فترات ضعف السلطة المركزية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عندما كانت البعثات الأوروبية تمارس التنقيب بموجب اتفاقات غير متكافئة، أو تهرّب القطع بطرق غير مشروعة. لذلك، فإن المطالبة باستعادة هذه الآثار لا تقوم على العاطفة فحسب، بل على أسس قانونية واضحة تنص عليها اتفاقية «اليونسكو» لعام 1970، التي تحظر الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية وتلزم الدول بإعادة ما أُخذ منها بطرق غير قانونية.
لكن المعضلة تكمن في أن الاتفاقية لا تسري بأثر رجعي، وهو ما تستند إليه المتاحف الغربية الكبرى لتبرير احتفاظها بآثار مصرية نُقلت قبل توقيع الاتفاقية. ومن هنا، اتجهت مصر إلى مسار موازٍ يقوم على الدبلوماسية التفاوضية والضغط المعنوي بدلاً من الصدام القانوني. فالحملة التي يقودها زاهي حواس ليست مجرد مبادرة أكاديمية، بل جزء من خطة لإعادة فتح النقاش الأخلاقي حول حق الشعوب في استعادة تراثها، مستفيدة من التغير المتزايد في الرأي العام الأوروبي الذي بات يميل إلى دعم إعادة القطع المنهوبة، خصوصاً بعد أن بدأت دول مثل نيجيريا واليونان تحقّق تقدماً في قضايا مشابهة.
حجر رشيد والعلاقة المعقدة بين العلم والاستعمار
وتدرك القاهرة أن المعركة تحتاج إلى تدرّج وواقعية، لذا ركزت وزارة السياحة والآثار خلال السنوات الأخيرة على استعادة القطع التي خرجت بطرق غير شرعية حديثاً، وهو ما حققت فيه نجاحات ملموسة، إذ استعادت مصر آلاف القطع من الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا والإمارات وغيرها. وقد تم ذلك عبر تنسيق بين النيابة العامة المصرية والسلطات القضائية في تلك الدول، واستخدام آليات التعاون القضائي الدولي. ويشكّل هذا التراكم من النجاحات الجزئية أرضية أخلاقية وقانونية تعزّز موقف مصر في المطالبة بالقطع الكبرى ذات الرمزية العالمية.
في الوقت نفسه، تستثمر مصر قوتها الناعمة ومكانتها الحضارية في دعم مطالبها، من خلال الترويج لمشروعات كبرى مثل المتحف المصري الكبير الذي يُعد أكبر متحف أثري في العالم، والذي يمثل رسالة بأن مصر تمتلك القدرة على حفظ وعرض تراثها وفق أعلى المعايير الدولية. فالمطالبة بإعادة حجر رشيد أو تمثال نفرتيتي لم تعد مجرد حنين إلى الماضي، بل جزء من مشروع وطني متكامل لإعادة تعريف دور مصر كمركز عالمي للثقافة الإنسانية.
ويُعدّ حجر رشيد على وجه الخصوص رمزاً لهذه القضية، إذ يُجسّد العلاقة المعقدة بين العلم والاستعمار. فهذا الحجر، الذي اكتُشف في رشيد عام 1799، كان المفتاح لفك رموز اللغة المصرية القديمة، لكنه نُقل إلى لندن بعد هزيمة الفرنسيين على يد البريطانيين، ليصبح أحد أهم مقتنيات المتحف البريطاني. واليوم، بعد مرور أكثر من قرنين، تتحول المطالبة بإعادته إلى رمز للمطالبة بالعدالة التاريخية، في ظلّ وعي عالمي متزايد بأهمية تصحيح إرث الحقبة الاستعمارية.
مصر ومقاربة الخطاب الهادئ
تسعى مصر أيضاً إلى توظيف التحولات في الخطاب الثقافي الغربي، حيث تتزايد الدعوات داخل الأوساط الأكاديمية والمتاحف الأوروبية لإعادة النظر في «الملكية الأخلاقية» للآثار. فالمتاحف الكبرى تواجه ضغوطاً شعبية وإعلامية متنامية تطالبها بتوضيح مصادر مقتنياتها، وهو ما يفتح أمام القاهرة نافذة جديدة للضغط عبر الرأي العام العالمي، خاصة في ظل توسع أدوات التواصل الرقمي التي تجعل الحملات الإلكترونية مثل حملة حواس أداة مؤثرة في تشكيل المواقف.
غير أن هذا الملف لا يخلو من تحديات؛ فبعض الدول والمؤسسات الثقافية الغربية تخشى من أن فتح باب الإعادة قد يؤدي إلى سلسلة لا تنتهي من المطالبات، ما يهدد وجودها نفسه. لذلك تعتمد مصر مقاربة الخطاب الهادئ والمتدرج، الذي يجمع بين الحزم في المطلب والمرونة في الأسلوب، مركّزة على البعد الإنساني للتراث باعتباره ملكاً للحضارة العالمية لا حكراً على دولة بعينها.
توظيف القانون الدولي
وفي هذا الإطار، تعمل القاهرة على تعزيز التعاون مع منظمة «اليونسكو» والمنظمات الإقليمية الإفريقية والعربية لتشكيل جبهة موحدة من الدول التي تعاني من نهب تراثها. كما تُكثّف بعثاتها الدبلوماسية جهودها في العواصم الغربية لمتابعة الملفات الخاصة بكل قطعة أثرية، مع توظيف القانون الدولي واستقطاب الدعم من مؤسسات الثقافة العالمية.
ومع تصاعد الاهتمام العالمي بقضية العدالة التراثية، يبدو أن الزخم الشعبي والدبلوماسي يتجه لصالح مصر. فالحملة التي يقودها زاهي حواس تمثل في جوهرها نداءً أخلاقياً يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، يذكّر العالم بأن الآثار ليست مجرد معروضات في متاحف، بل شواهد على هوية الشعوب وحقها في رواية تاريخها بلسانها.
وبينما قد لا تتحقق إعادة القطع الكبرى سريعاً، فإن هذه الحملة تسهم في ترسيخ خطاب جديد يجعل من استعادة الآثار جزءاً من الوعي العالمي بالعدالة الثقافية، ويعزز في الوقت نفسه مكانة مصر كصاحبة أقدم حضارة ما زالت تناضل لاسترداد ذاكرتها الموزعة على متاحف العالم.






