في خطوة تعكس تحولات استراتيجية بارزة، يعمل المغرب على تعزيز قوته البحرية عبر اقتناء معدات متطورة وتوسيع البنية التحتية البحرية.
هذه الخطوة تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت مجرد توجه دفاعي لحماية السواحل الممتدة على البحرين المتوسط والأطلسي، أم أنها تحمل في طياتها رسائل سياسية موجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء.
تعزيز القدرات: سفن وغواصات وقواعد جديدة
تشير المعطيات إلى أن المغرب يخطط لتوسيع ترسانته البحرية عبر فرقاطات وطرادات وربما غواصات متطورة، إلى جانب افتتاح قاعدة بحرية في مدينة القصر الصغير شمال البلاد.
هذه التوسعات تمنح البحرية المغربية قدرة أكبر على المراقبة والردع، وتؤسس لحضور متزايد في المعادلة الأمنية بالمنطقة.
دوافع متعددة: أمن إقليمي ورسائل دبلوماسية
يرى مراقبون أن تعزيز القوة البحرية المغربية يرتبط بعدة عوامل، أبرزها حماية الحدود البحرية من التهديدات المتنامية مثل الهجرة غير النظامية والتهريب، إضافة إلى تأمين الملاحة التجارية.
غير أن الخطوة تحمل أيضاً بعداً سياسياً، إذ تعكس طموح الرباط في لعب دور محوري بالمتوسط والأطلسي، وتوجيه رسالة بأن المغرب يمتلك أدوات قوة بحرية قادرة على حماية مصالحه.
ورغم الطابع الطموح للخطة، تواجه الرباط تحديات جوهرية، منها التكلفة المالية العالية لشراء وصيانة الغواصات والسفن المتقدمة، فضلاً عن الحاجة إلى إعداد كوادر بشرية قادرة على تشغيل الأنظمة الحديثة
كما أن الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية يضع المغرب أمام حسابات معقدة مرتبطة بعلاقاته الدولية والتحالفات العسكرية.
انعكاسات إقليمية ودولية
الخطوة المغربية قد تُقرأ أيضاً في سياق التوازنات الإقليمية، خاصة في ظل التوترات مع الجزائر وتنافس النفوذ في شمال أفريقيا.
أما على المستوى الأوروبي والأطلسي، فإنها قد تفتح المجال لشراكات أوسع في مراقبة السواحل وتأمين طرق التجارة البحرية. بذلك، يظهر أن تعزيز القوة البحرية المغربية ليس مجرد خيار دفاعي، بل تحرك استراتيجي يتجاوز الأمن إلى السياسة والدبلوماسية.
تعزيز الردع البحري
يقول الخبير العسكري المغربي العميد المتقاعد حسن الشنتوف إن الخطوة تمثل “إرساء قوة ردع بحرية تجعل المغرب قادراً على حماية مصالحه الاقتصادية والأمنية، خصوصاً في ظل التنافس على الموارد البحرية”.
ويضيف أن امتلاك غواصات أو قدرات صاروخية بحرية يمنح المملكة تفوقاً نوعياً بالمنطقة.
أما الباحث في العلاقات الدولية د. عبد الرحيم المنصوري فيرى أن تعزيز البحرية “لا ينفصل عن سياق الرسائل السياسية”، موضحاً أن الرباط تسعى لإظهار قدرتها على فرض توازنات إقليمية جديدة، وفي الوقت نفسه تعزيز ثقة المواطن في الدولة كضامن للأمن القومي.
الشراكات الدولية مفتاح النجاح
ويؤكد المحلل الأمني إدريس بن الطالب أن المغرب “لن ينجح في مشروعه البحري دون شراكات واسعة مع أوروبا والولايات المتحدة”، لافتاً إلى أن التعاون في التدريب وتبادل المعلومات البحرية ضروري لمواجهة تهديدات مثل التهريب والإرهاب العابر للحدود.
من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي محمد العسري إلى أن حماية الممرات البحرية “مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالاقتصاد الوطني”، حيث إن 95% من تجارة المغرب تمر عبر البحر. وبالتالي فإن أي استثمار في القوة البحرية هو استثمار في الأمن الاقتصادي.
ويختتم المحلل الجيوسياسي سعيد المريني بالقول إن الرباط “تسعى لتكريس مكانتها كلاعب أطلسي قادر على المساهمة في أمن البحر المتوسط والمحيط الأطلسي”، وهو ما قد يمنحها وزناً أكبر في ملفات إقليمية ودولية حساسة.







