تنطلق اليوم في جنيف جولة جديدة من المفاوضات بين إيران والترويكا الأوروبية (ألمانيا، فرنسا، وبريطانيا)، في محاولة لإحياء مسار متعثر منذ سنوات حول البرنامج النووي الإيراني.
وتكتسب هذه الجولة أهمية خاصة بعد الاتصالات المكثفة التي أجرتها طهران مع موسكو وبكين خلال الساعات الماضية، في مؤشر على سعي إيران لبناء جبهة داعمة في مواجهة الضغوط الغربية.
جدول الأعمال: العقوبات والالتزامات النووية
نقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية عن مصدر مطلع أن المحادثات ستتركز على نقطتين رئيسيتين: أولاً، مستقبل التزامات إيران النووية، وثانياً، قضية رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
ووفق المعلومات، فإن الوفد الإيراني برئاسة مجيد تخت روانجي سيخوض المفاوضات بدعم من مواقف روسية وصينية منسقة، في وقت تحضر فيه الدول الأوروبية بثقلها عبر نواب وزراء الخارجية.
موسكو تدخل على الخط
الكرملين أعلن أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالاً هاتفياً بنظيره الإيراني مسعود بزشكيان، ناقشا خلاله مسار المفاوضات النووية وأهمية التوصل إلى تفاهمات تضمن استقرار المنطقة.
وتؤكد مصادر دبلوماسية أن روسيا تحاول تعزيز دورها كطرف مساند لإيران في مواجهة الغرب، مستفيدة من التوترات المتصاعدة بين موسكو والعواصم الأوروبية على خلفية الحرب في أوكرانيا.
بكين وطهران: مواقف مشتركة
في موازاة ذلك، أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي، أنه أجرى مشاورات معمقة مع نظيره الصيني ما جاوشو.
ووفق المسؤول الإيراني، فإن المباحثات ركزت على صياغة مواقف مشتركة مع روسيا لدعم حق إيران في «الاستفادة السلمية من الطاقة النووية»، مع التشديد على ضرورة رفع العقوبات باعتبارها «خطوة أساسية» لاستمرار أي تفاوض.
قلق أوروبي من «المناورة الإيرانية»
مصادر أوروبية مطلعة أشارت إلى أن العواصم الثلاث تنظر بقلق إلى التحركات الإيرانية ـ الروسية ـ الصينية، معتبرة أنها تهدف إلى «تعزيز موقف تفاوضي متشدد» قد يعرقل فرص تحقيق تقدم.
ووفق هذه المصادر، فإن الأوروبيين سيضغطون على طهران لإبداء مرونة أكبر بشأن نشاطاتها النووية المتقدمة، مقابل التلويح بإمكانية التوصل إلى تفاهم حول بعض العقوبات.
لبنان والمنطقة في الحسابات
يرى محللون أن انعكاسات المفاوضات في جنيف لن تقتصر على الملف النووي فقط، بل ستطال ملفات أخرى مرتبطة بالأمن الإقليمي، بدءاً من الحرب في غزة وتصاعد التوتر بين «حزب الله» وإسرائيل على الحدود اللبنانية، وصولاً إلى أمن الملاحة في الخليج.
وقد يفتح نجاح المحادثات نافذة لخفض التوتر، في حين أن فشلها سيعزز احتمالات التصعيد في أكثر من جبهة.
جنيف.. اختبار جديد للدبلوماسية
وبينما تستعد الوفود للاجتماع اليوم، يبدو واضحاً أن المفاوضات ستشكل اختباراً جديداً للدبلوماسية الدولية. فالتباين بين المواقف لا يزال عميقاً، وإصرار كل طرف على شروطه المسبقة ينذر بجولة شاقة قد لا تختلف كثيراً عن سابقاتها.
لكن مراقبين يعتقدون أن مجرد عودة الأطراف إلى الطاولة يمثل «نافذة أمل صغيرة» في وقت تتشابك فيه أزمات المنطقة وتزداد تعقيداً.
الدور الأميركي الغائب الحاضر
رغم أن واشنطن ليست طرفاً مباشراً في مفاوضات جنيف الحالية، فإن تأثيرها يظل حاسماً. فالأوروبيون يتحركون بالتنسيق الوثيق مع الإدارة الأميركية، التي تراقب عن قرب مسار النقاشات.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن أي اتفاق محتمل لن يكون قابلاً للتنفيذ ما لم توافق الولايات المتحدة عليه وتضمن آلية واضحة لرفع أو إعادة فرض العقوبات.
حسابات طهران الداخلية
في الداخل الإيراني، تحظى المفاوضات بمتابعة دقيقة من البرلمان والتيارات السياسية. التيار المحافظ يضغط لتشديد الموقف وعدم تقديم تنازلات، بينما يدعو التيار الإصلاحي إلى إبداء مرونة تسمح برفع جزئي للعقوبات وتحسين الوضع الاقتصادي.
ويضع هذا التباين الداخلي الوفد الإيراني في جنيف تحت ضغوط متعارضة، ما قد ينعكس على مسار المحادثات.
يترقب الشارع الإيراني نتائج جنيف بشغف، إذ تعاني البلاد من تبعات العقوبات التي أثرت على العملة الوطنية وحركة التجارة الدولية.
ويؤكد اقتصاديون أن أي تقدم في المفاوضات قد ينعكس سريعاً على الأسواق الداخلية ويعيد جزءاً من الثقة إلى الاقتصاد الإيراني، بينما سيؤدي الفشل إلى زيادة الاحتقان الاجتماعي وتصاعد المطالبات بمواقف أكثر صرامة ضد الغرب.
إسرائيل والمخاوف الأمنية
في الجانب المقابل، تتابع إسرائيل المحادثات بقلق بالغ. فقد حذرت مراراً من أن أي تخفيف للعقوبات يجب أن يقترن بضمانات صارمة تحد من قدرة إيران على تطوير برنامجها النووي.
وتخشى تل أبيب أن يؤدي أي اتفاق هش إلى تعزيز نفوذ طهران الإقليمي، وهو ما تعتبره «تهديداً مباشراً» لأمنها القومي.
ويرى مراقبون أن المفاوضات الحالية تمثل اختباراً صعباً لإرادة الأطراف، فبينما تسعى إيران لانتزاع مكاسب اقتصادية من خلال رفع العقوبات، يصر الأوروبيون على وضع قيود واضحة على تخصيب اليورانيوم وضمان آليات رقابة فعّالة.
ويعتبر هؤلاء أن نجاح الجولة سيعتمد على قدرة الوسطاء على صياغة صيغة «توازن دقيق» بين مصالح متعارضة بشدة.






