رأت صحيفة الجارديان البريطانية أن الهجوم الإسرائيلي المزدوج على مستشفى ناصر في غزة، والذي أسفر عن استشهاد خمسة صحفيين، يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي. ففي تحليل نشرته الصحيفة، اعتبرت أن استهداف مبنى مدني كالمستشفى، عبر غارة مزدوجة متهورة، يكشف بوضوح عن سياسة متعمدة لإيقاع أكبر قدر من الضحايا بين المدنيين، بينهم مرضى وعمال إنقاذ وصحفيون، وهي فئات يوجب القانون الدولي حمايتها لا استهدافها.
جيش الاحتلال يبرر
ورغم محاولة الجيش الإسرائيلي الإيحاء بأن الحادث كان “خطأ غير مقصود”، إلا أن الجارديان رأت أن ما جرى يعكس نهجًا متكررًا وليس مجرد خطأ عرضي. وقد أُشير في التحليل إلى أن ما يجعل الحادثة لافتة بشكل خاص هو اجتماع عناصرها: قصف مستشفى يعمل بالفعل، استهداف صحفيين ومسعفين، وقتل مدنيين مصابين داخل مكان يفترض أنه ملاذ للعلاج. هذه العوامل، بحسب الصحيفة، تجعل الواقعة مؤهلة لاتهام إسرائيل بارتكاب جريمة حرب قائمة بذاتها.
وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي وصف الحادث بأنه “مروع”، فيما أكد مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس أن الغارات أسفرت عن مقتل 20 شخصًا وإصابة 50 آخرين، بينهم مرضى في حالة حرجة أصلًا. وأضاف أن تكرار استهداف المرافق الصحية في غزة يزيد من معاناة المدنيين الذين يفتقرون أساسًا إلى الغذاء والرعاية الطبية. وقد شدد على أن وقف الهجمات على المستشفيات والمراكز الصحية لم يعد مطلبًا إنسانيًا فقط، بل ضرورة عاجلة لحماية أرواح آلاف الأبرياء.
سياسة الضربة المزدوجة
مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أكد بدوره أن اغتيال الصحفيين في غزة يجب أن يثير صدمة العالم، داعيًا إلى المساءلة والعدالة بدلًا من الصمت. المتحدثة باسم المكتب رافينا شامداساني قالت إن الصحفيين ليسوا هدفًا، والمستشفيات ليست هدفًا، وهو ما يجعل التبريرات الإسرائيلية غير مقبولة على أي مستوى.
التحليل أشار أيضًا إلى نتائج تحقيق مشترك لمجلة +972 الإسرائيلية ومنصة “لوكال كول”، الذي كشف أن الجيش الإسرائيلي يتبع سياسة “الضربة المزدوجة”، حيث ينفذ قصفًا أوليًا ثم يعاود الضرب بعد تجمع المسعفين والمستجيبين الأوائل، وهو ما يؤدي عمدًا إلى مقتلهم. هذه السياسة، التي وثقتها جهات حقوقية وصحفية، تشير إلى استهداف مقصود لفرق الإنقاذ والصحفيين.
ولفتت الصحيفة إلى أن الرواية الإسرائيلية المعتادة بفتح التحقيقات لا تعكس حقيقة ما يحدث، خاصة أن تصريحات مسؤوليها تكشف تناقضًا صارخًا. ففي واقعة سابقة تتعلق بمقتل الصحفي أنس الشريف وعدد من زملائه في باحة مستشفى، زعمت إسرائيل –دون أدلة– أنه عضو في خلية تابعة لحماس. لكن لجنة حماية الصحفيين ردت بأن هذه الادعاءات لا أساس لها، معتبرة أن ما جرى هو “قتل متعمد” لصحفيين. اللجنة كانت قد حذرت بالفعل من تهديدات مباشرة تعرض لها الشريف من متحدث الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، وهو ما اعتبرته محاولة واضحة لإجازة قتله لاحقًا.
إسكات آخر الشهود
الجارديان أوضحت أن إسرائيل قتلت بالفعل ما لا يقل عن 200 صحفي منذ بداية الحرب، بينهم ستة من قناة الجزيرة وحدها، وغالبًا ما يكونون متواجدين بالقرب من المستشفيات بحثًا عن حماية نسبية أو كهرباء لتشغيل معداتهم. لكن حتى هذه المناطق لم تسلم من القصف، ما جعل من الصحفيين والكوادر الطبية أهدافًا مباشرة.
واختتمت الصحيفة تحليلها بالتأكيد على أن بعض كبار المسؤولين في الأمم المتحدة يعتقدون أن الهدف الحقيقي من هذه الهجمات هو إسكات آخر الشهود المتبقين على المجاعة والمعاناة الإنسانية في غزة. فإذا كان الصحفيون هم الشاهد الوحيد أمام العالم على ما يجري، فإن استهدافهم المتكرر لا يمكن تفسيره سوى بمحاولة متعمدة لطمس الحقيقة وإخفاء جرائم الحرب عن الرأي العام الدولي.






