تواجه المساعي الفرنسية لاحتواء التصعيد الإسرائيلي في لبنان تحدياً معقداً، بعدما اصطدمت برفض أميركي واضح لتوسيع نطاق اتفاق وقف إطلاق النار ليشمل الساحة اللبنانية، في وقت تواصل فيه تل أبيب عملياتها العسكرية بوتيرة متصاعدة.
وقاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سلسلة اتصالات مكثفة، شملت نظيريه الأميركي دونالد ترمب والإيراني مسعود بزشكيان، في محاولة لاحتواء الموقف واحتواء تداعيات “اليوم الأسود” الذي خلّف مئات الضحايا في لبنان.
غير أن هذه التحركات لم تسفر عن نتائج ملموسة، في ظل تمسك واشنطن بموقفها الرافض لإدراج لبنان ضمن أي تفاهمات تهدئة.
واشنطن ترسم الخطوط الحمراء
جاء الرد الأميركي حاسماً، إذ أكد كل من الرئيس الأميركي ونائبه جيه دي فانس أن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران لا يشمل لبنان، ما اعتُبر ضربة مباشرة للمسعى الفرنسي.
وعكس هذا الموقف توجهاً أميركياً واضحاً بحصر التهدئة في إطار الصراع مع إيران فقط، دون توسيعها لتشمل جبهات أخرى، حتى وإن كانت مرتبطة عضوياً بها، مثل الساحة اللبنانية.
كما فسره دبلوماسيون أوروبيون بأنه بمثابة “ضوء أخضر” ضمني لإسرائيل لمواصلة عملياتها ضد «حزب الله».
نتنياهو يرد بالميدان
وبالتوازي مع التحرك الدبلوماسي ل فرنسا ، جاء الرد الإسرائيلي سريعاً ومباشراً. فقد أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن بلاده ستواصل ضرب «حزب الله» “في كل مكان يكون ذلك ضرورياً”، في رسالة واضحة برفض أي ضغوط لوقف العمليات.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحكومة الإسرائيلية تسعى لاستغلال ما يوصف بـ“الوقت الضائع” لتحقيق أكبر مكاسب ميدانية، خاصة في ظل غياب ضغوط دولية حقيقية، ومحاولة تعويض الانتقادات الداخلية المرتبطة بالتفاهمات الأميركية-الإيرانية.
وداخل باريس، تتزايد مشاعر الإحباط من محدودية التأثير على القرار الأميركي. ففرنسا، التي حاولت لعب دور الوسيط النشط، وجدت نفسها عاجزة عن إقناع واشنطن بكبح جماح التصعيد الإسرائيلي.
كما أن قنوات التواصل مع تل أبيب تبدو شبه مجمدة، في ظل فتور العلاقات بين ماكرون ونتنياهو، وفشل التحركات الفرنسية السابقة، بما فيها زيارة وزير الخارجية جان نويل بارو، في تحقيق أي اختراق سياسي.
وترى فرنسا أن شمول لبنان في أي اتفاق تهدئة يمثل شرطاً أساسياً لاستدامة وقف إطلاق النار، محذرة من أن تجاهل هذه الجبهة يهدد بانفجار أوسع في المنطقة.
ربط التهدئة بمسار سياسي شامل
وتدفع فرنسا باتجاه مقاربة أوسع، تقوم على ربط وقف إطلاق النار بإطلاق مسار سياسي شامل يضمن الاستقرار الإقليمي. وفي هذا السياق، شدد ماكرون على ضرورة احترام التهدئة “على كل الجبهات”، بما فيها لبنان.
كما أعادت باريس طرح فكرة تفعيل آليات الرقابة الدولية، إلى جانب تعزيز قدرات الجيش اللبناني، بهدف تمكين الدولة من فرض سيادتها وتقليص نفوذ «حزب الله».
إجماع أوروبي.. ولكن بلا أنياب
وعلى المستوى الأوروبي، برزت مواقف متقاربة تدعو إلى وقف الهجمات الإسرائيلية وتوسيع نطاق التهدئة ليشمل لبنان. فقد دعت إيطاليا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي إلى خفض التصعيد، مع تحذيرات من تداعيات استمرار العمليات العسكرية.
غير أن هذا الإجماع ظل، حتى الآن، في إطار التصريحات السياسية، دون ترجمة عملية على الأرض. فغياب أدوات الضغط الفعالة، مثل العقوبات أو مراجعة اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل، جعل الموقف الأوروبي يبدو ضعيف التأثير.
لبنان في قلب العاصفة الإقليمية
وفي المحصلة، يجد لبنان نفسه مجدداً ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية، وسط تباين حاد في مواقف القوى الكبرى.
وبينما تسعى فرنسا لاحتواء الأزمة دبلوماسياً، تصطدم بواقع سياسي يعكس اختلال موازين القوة، حيث تبقى الكلمة العليا للتحالفات الكبرى، وليس للمبادرات الفردية.
ومع استمرار العمليات العسكرية وغياب توافق دولي حقيقي، تتزايد المخاوف من انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع، قد تتجاوز حدود لبنان لتشمل الإقليم بأسره.




