في سرير أبيض صغير داخل مستشفى ناصر بخان يونس، يرقد الطفل مهند القرا، الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، صامتًا إلا من أنفاس متقطعة وملامح يكسوها الألم. إصابة في الرأس أثناء محاولته الحصول على المساعدات الغذائية جنوب قطاع غزة حرمته من نصف جسده؛ شلل نصفي جعل حركته بطيئة، مرتبكة، بينما تفاقمت حالته بسبب الجوع وسوء التغذية ونقص العلاج.
أحلام صغير
كان يفترض أن يقضي مهند أيامه في المدرسة، بين دفاتر الرياضيات ورسومات أحلامه الصغيرة، لكنه وجد نفسه محاصرًا بين أنقاض الحرب وصفوف المرضى. يروي الأطباء أن إصابته لم تكن مميتة لولا أن غياب الدواء والفيتامينات الضرورية ضاعف من خطورتها، ليصبح أي تحسن في حالته أشبه بمعجزة مؤجلة. والدته تجلس إلى جواره ساعات طويلة، تتأمل يده المرتجفة وتحاول أن ترسم ابتسامة تواسيه، لكنها تعلم أن عجزها عن توفير العلاج أقسى من كل الكلمات.
ومهند ليس حالة فردية، بل صورة مصغرة عن آلاف الأطفال في غزة الذين تحولت حياتهم إلى رحلة صراع يومي مع البقاء. أطفال يُفترض أن تكبر خطواتهم في ملاعب الحارات، لكنهم باتوا يتنقلون بين خيام النزوح وأقسام الطوارئ. بعضهم فقد أطرافه، وبعضهم فقد عائلته، فيما يعاني كثيرون أمراضًا مرتبطة بسوء التغذية وانعدام الرعاية الطبية، وسط حصار يقطع حتى الهواء عنهم.
مأساة جيل كامل
في مأساة مهند تتجسد قصة جيل كامل من أطفال غزة، جيل تُسرق طفولته قسرًا وتُستبدل بالألم والخوف، جيل ينمو على أصوات القصف بدل الأناشيد، ويعرف معنى الطوابير الطويلة للحصول على لقمة الخبز أكثر مما يعرف معنى اللعب. ورغم ذلك، يظل الأمل يطل في عيونهم الصغيرة كلما ابتسموا برغم الجراح، وكأنهم يعلنون أن الحياة، مهما طالت المأساة، أقوى من الموت.






