في لحظة فارقة من تاريخها الإقليمي والدولي، انضمت إيران رسميًا إلى مجموعة «بريكس» الناشئة، وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وهجمات عسكرية طالت أراضيها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، ما دفع طهران إلى البحث عن حلفاء جدد في وجه الضغوط الغربية المتزايدة.
فمع انطلاق قمة «بريكس» في مدينة ريو دي جانيرو، تدخل إيران التكتل الطموح الذي يضم قوى دولية ناشئة مثل روسيا والصين والهند، إلى جانب دول جديدة تأمل في تغيير قواعد اللعبة الدولية. لكن واقع الحال داخل المجموعة لا يبدو مبشّرًا بتحالفات صلبة، بقدر ما يعكس «توازنات دقيقة» بين المصالح الوطنية المختلفة.
انضمام رمزي أم تحالف استراتيجي؟
تنظر طهران إلى انضمامها إلى «بريكس» بوصفه انتصارًا رمزيًا يعزز موقفها على الساحة الدولية، لاسيما في ظل محاولاتها المتواصلة للالتفاف على العقوبات الغربية، وتقديم نفسها كقوة إقليمية تبحث عن بدائل للتحالفات التقليدية.
لكن الانقسام الواضح داخل «بريكس» حيال القضايا الساخنة – وعلى رأسها الملف النووي الإيراني والضربات الأخيرة – يطرح تساؤلات حول جدوى الرهان الإيراني على هذا التكتل، الذي لم يتمكن حتى الآن من تبني موقف موحد حيال تلك الأحداث.
تباينات تعرقل الوحدة
رغم إصدار بيان مشترك من قمة «بريكس» أعرب فيه الأعضاء عن «قلق بالغ» إزاء الهجمات على إيران واعتبروها انتهاكًا للقانون الدولي، إلا أن غياب أي إدانة مباشرة للولايات المتحدة أو إسرائيل أظهر بوضوح حدود الإجماع داخل المجموعة.
ويرى باولو نوجويرا باتيستا جونيور، نائب الرئيس السابق لبنك تنمية «بريكس»، أن توسع المجموعة مؤخرًا زاد من صعوبة التوصل إلى توافقات، قائلًا: «كلما زاد عدد الدول حول الطاولة، زادت صعوبة الوصول إلى موقف موحد».
حسابات المصالح تغلب المبادئ
تباين المواقف بين الدول الأعضاء في «بريكس» يعكس تداخل المصالح السياسية والاقتصادية. فبينما وصفت روسيا الهجمات على إيران بأنها «عدوان غير مبرر»، اكتفت الصين بالدعوة إلى «التحلي بضبط النفس»، وهو موقف بدا أقرب إلى التوازن بين دعم الحليف الإيراني والحفاظ على العلاقات مع الغرب.
البرازيل، الدولة المضيفة، أعربت عن إدانتها للهجمات، لكنها حرصت على عدم المساس بعلاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، التي تُعد ثاني أكبر شريك تجاري لها. أما الهند، فرغم عضويتها في «بريكس»، فإنها تفضل الحياد لحماية مصالحها مع الولايات المتحدة.
يقول أستاذ العلاقات الدولية في البرازيل، أوليفر ستوينكل: «البرازيل لا تبحث عن مشكلات. فهي أقرب إلى واشنطن من طهران، ولا مصلحة لها في الدخول في نزاع دولي معقد».
غيابات تقوّض الطموحات
لم تخلُ القمة من إشارات رمزية إلى هشاشة التكتل، أبرزها غياب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الحضور الشخصي بسبب مذكرة التوقيف الدولية، واكتفائه بالمشاركة عبر الفيديو. كما غاب الرئيس الصيني شي جينبينغ، وأوكل تمثيل بلاده إلى رئيس وزرائه.
وتأتي هذه الغيابات في وقت كانت فيه البرازيل، برئاسة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، تأمل في توظيف القمة لتعزيز دورها العالمي بوصفها وسيطًا بين الشرق والغرب، وداعمًا لنظام عالمي «أكثر عدالة»، بحسب ما أعلنه لولا سابقًا.
لكن محللين يشككون في قدرة «بريكس» على لعب هذا الدور في ظل الانقسامات الحالية، ويرى البعض أن القمة قد تنتهي دون نتائج جوهرية، باستثناء التأكيد على مبادئ عامة لا تغيّر كثيرًا في معادلات القوى الدولية.
إيران في وضع المراقبة
في نهاية المطاف، تبدو إيران في وضع أشبه بـ«المراقب النشط» داخل مجموعة لا تملك إجماعًا حيال قضاياها، لكنها تعوّل على أي مكسب رمزي لتقوية موقفها في مواجهة العقوبات الغربية والضغوط الإقليمية.
وبينما تترقب طهران ما سيسفر عنه البيان الختامي للقمة، لا يُتوقع أن تُحقق اختراقًا كبيرًا، في ظل انشغال كل دولة من دول «بريكس» بأولوياتها الخاصة، وتضارب مصالحها في الملفات الحساسة، لا سيما في الشرق الأوسط.
وتعتبر هذه الخطوة ذات طابع رمزي في توقيت مضطرب، لكنها لا تعني بالضرورة أنها وجدت تحالفًا متماسكًا. فالمجموعة نفسها تواجه تحديات داخلية تضعف قدرتها على التحرك ككتلة موحدة. وبينما تتمنى طهران أن تمثل «بريكس» مظلة جديدة لحمايتها، تبقى النتيجة مرهونة بتطورات إقليمية ودولية قد تزيد من تعقيد المشهد بدلًا من تبسيطه.






