تشهد ليبيا أزمة سياسية متشابكة، في ظل حالة الانقسام بين الأطراف المتنازعة، إلى جانب الحرب الدائرة في السودان. وباتت منطقة شمال وشرق أفريقيا مهددة، خاصة بعد فشل كافة محاولات التهدئة على الجانبين.
بين الأزمة في ليبيا والحرب في السودان، تواصل مصر القيام بدورها المحوري، في دعم مسار التهدئة وتعزيز ركائز الأمن القومي العربي. فقد باتت القاهرة، خلال السنوات الأخيرة، نقطة ارتكاز أساسية في الجهود الرامية إلى إعادة بناء الدولة الوطنية في ليبيا، عبر دعم المؤسسات الشرعية والجيش الوطني الليبي، وتشجيع المسار السياسي الذي يُفضي إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية تُنهي حالة الانقسام.
جهود مصرية لتهدئة الأزمة
وتدرك مصر جيدًا أن الأزمة السودانية، إحدى أخطر الأزمات الإقليمية الراهنة، لما تحمله من انعكاسات مباشرة على أمن دول الجوار، وفي مقدمتها مصر وليبيا، ومع اتساع رقعة الصراع وتفاقم التداعيات الإنسانية والأمنية، تواصل القاهرة بذل جهود مكثفة لحشد دعم دولي وإقليمي يدفع نحو تسوية سلمية تحفظ وحدة السودان وسلامة مؤسساته، انطلاقًا من إدراك واضح بأن استقرار هذا البلد يمثل جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن القومي المصري والليبي على حد سواء.
وتكثف مصر من جهودها السياسية والدبلوماسية، لمحاولة التهدئة على المسارين، إذ تكتسب اللقاءات المصرية الليبية أهمية خاصة، خصوصًا في ظل العلاقة الوطيدة، التي تجمع القيادة المصرية بالقيادة العامة للجيش الوطني الليبي، لما تحمله من رسائل تؤكد تمسّك القاهرة بدعم استقرار ليبيا والتصدي لأي تهديدات خارجية أو داخلية قد تقوّض مسار بناء الدولة.
مباحثات السيسي وحفتر
واستمرارًا لمحاولات التوصل لمسار يحقق الاستقرار في ليبيا، جرى لقاء في القاهرة، الإثنين، بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والمشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني الليبي، وذلك بحضور رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، ورئيس الأركان العامة للجيش الوطني الليبي، الفريق خالد خليفة، ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام خليفة.
ووفقا لبيان المتحدث الرسمي باسم رئاسة جمهورية مصر العربية، بأنه تم التاكيد خلال اللقاء على عمق العلاقات المصرية ـ الليبية وخصوصيتها، كما شدد «السيسي»، على دعم مصر الكامل لسيادة واستقرار ليبيا ووحدة وسلامة أراضيها، مثمّنًا الدور المحوري للقيادة العامة للجيش الليبي في هذا الإطار.
وشدد الرئيس المصري، على ضرورة التصدي لأي تدخلات خارجية والعمل على إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا.
دعم الجيش الليبي
وأعرب المشير حفتر، عن تقديره للدور المحوري الذي تلعبه مصر والرئيس السيسي شخصياً في استعادة الأمن والاستقرار في ليبيا، والدعم الدائم الذي تقدمه للشعب الليبي منذ بداية الأزمة، مؤكدًا حرصه على مواصلة التنسيق وتبادل الرؤى مع الرئيس السيسي، إزاء مختلف التطورات على الساحتين الليبية والإقليمية.
وجدد «السيسي»، تأكيده على دعم مصر لكافة المبادرات والجهود الرامية إلى تسوية الأزمة الليبية، ولا سيما تلك التي تستهدف إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، مشددًا على التزام مصر بمواصلة تقديم جميع أشكال الدعم والمساندة للجيش والمؤسسات الوطنية الليبية، في إطار العلاقات الأخوية التاريخية التي تجمع بين البلدين والشعبين الشقيقين.
وبحث الجانبان مستجدات الأوضاع الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، والتحديات التي تواجه البلدين، ولا سيما التطورات في السودان، حيث تم التوافق على أهمية تكثيف الجهود الدولية والإقليمية للتوصل إلى تسوية سلمية تحفظ استقرار السودان وسيادته ووحدة أراضيه، وتم التأكيد في هذا الصدد على أن استقرار السودان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي لكل من مصر وليبيا.
أهمية استقرار ليبيا
وكشف تقرير نشرته الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، أن ليبيا تمثل أولوية لدى صانع إقرار المصري؛ لأنها تشترك مع مصر في حدود طويلة تصل الي 1200 كيلو متر، هذه الحدود تصدر حالة السيولة الأمنية على الجانب الليبي، يترتب على ذلك عدة تحديات للسيادة المصرية كتسلل العناصر الإرهابية وعمليات التهريب. فضلاً عما يمثله استمرار الصراع من إعادة تموضع التنظيمات الإرهابية والمقاتلين في الجماعات الهاربة من ساحات القتال الخارجية كسوريا والعراق على أمن الإقليم وأمن مصر القومي.
على المستوي الاقتصادي، قبل عام 2011 كان يعمل حوالي 2 مليون مصري في ليبيا، انخفض العدد كثيرا نتيجة عدم الاستقرار السياسي والامني خلال السبع سنوات الاخيرة، بتحقق الاستقرار سيعود هذا العدد للمشاركة في ملف إعادة إعمار ليبيا بجانب تعطش السوق الليبي للعمالة الفنية الماهرة والمدربة وحجم المشروعات المرتقبة يجعل السوق مؤهل لذلك.
إضافة الي أن الشعب الليبي يفضل العمالة المصرية لمهارتها ولوجود روابط وأعمال مشتركة كبيرة بين شركات إلحاق العمالة في مصر وبالسوق الليبي ، في هذا الإطار أعلن رئيس الوزراء الدكتور مصطفي مدبولي في أبريل 2021 عن توقيع مذكرات التفاهم مع ليبيا لتنظيم عودة العمالة المصرية إليها، وتم التوافق على أن يكون هذه العودة عودة منظمة ومخططة في المجالات التي يطلبها الجانب الليبي.
حماية ثروات ليبيا
احتفاظ الدولة الليبية بكيانها الموحد كدولة وطنية، لذا عملت مصر على إيجاد تسوية، منطلقها تمثيل كافة الليبيين في رسم مستقبلهم، في هذا الإطار صرح الرئيس السيسي يوم 25 مارس 2021 خلال استقباله محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي. بالقاهرة، قائلا ” أرجو أن تبلغوا باسمي وباسم كل المصريين التحية للشعب الليبي الموحد المستقر، وتابع “نحن معكم في جميع تلك الأمور وداعمين لكم”.
حرصت مصر على حماية ثروات ليبيا من الإهدار والتوظيف السلبي كوقود للصراع الدائر، حيث نجحت في التنسيق مع البعثة الأممية والمؤسسات الليبية في صياغة مسار تسوية اقتصادي، يرمي إلى إبعاد تفاعلات الصراع عن الاقتصاد الليبي، وإنهاء حالة الانقسام التي طرأت على مؤسساته المالية، وهو ما تكلل بالنجاح مع إعلان توحيد أسعار صرف الدينار وتوحيد الموازنة للعام 2021 .







