في مشهدٍ بدا وكأنه صفحة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط، استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، في أول زيارة لرئيس سوري إلى واشنطن منذ عقود.
اللقاء المستحيل لم يكن بروتوكول دبلوماسي
الحدث الذي وصفه المراقبون بـ«اللقاء المستحيل» لم يكن مجرّد بروتوكول دبلوماسي، بل مؤشراً على تحوّل عميق في نظرة الولايات المتحدة إلى سوريا، بعد سنوات من العزلة والصراع والعقوبات.
اللقاء الذي جرى خلف أبواب مغلقة حمل رسائل معقدة؛ فبينما أعلنت واشنطن أنها تسعى إلى “سوريا جديدة” منفتحة على الغرب، تسعى دمشق إلى كسر طوق الحصار والانفتاح على عالمٍ ظل مغلقاً في وجهها منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عقد.
وفي حين لم تُعلن تفاصيل جدول الأعمال الكامل، تسربت معلومات عن «قائمة مطالب» أميركية تضمنت ملفات شائكة مثل الأسلحة الكيماوية، والانضمام للتحالف الدولي ضد الإرهاب، ومصير المواطنين الأميركيين المفقودين في سوريا، فضلاً عن نقاشات حول مستقبل العلاقات السورية – الإسرائيلية.
هذه التطورات تثير تساؤلات كبرى: هل باتت واشنطن تنظر إلى دمشق كـ«شريك محتمل» بدلاً من «دولة منبوذة»؟ وهل يشهد الشرق الأوسط تحولاً في موازين القوى تحت مظلة تفاهمات جديدة قد تعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة؟
واشنطن تفتح الباب المغلق
لم يكن استقبال ترمب للرئيس الشرع حدثاً مفاجئاً فقط، بل كسراً لحاجز نفسي وسياسي امتد لسنوات طويلة. فالإدارة الأميركية، التي تبنّت سياسة «الضغط الأقصى» على دمشق، وجدت نفسها أمام ضرورة إعادة صياغة العلاقة بما يخدم مصالحها الأمنية والإقليمية.شر شوت
تقول مصادر دبلوماسية في واشنطن إن البيت الأبيض يسعى إلى اختبار مدى استعداد الحكومة السورية الجديدة للانخراط في اتفاقيات أمنية وإصلاحات سياسية، مقابل رفع تدريجي للعقوبات وإعادة دمج سوريا في المنظومة الدولية.
وتشير المصادر إلى أن هدف اللقاء يتجاوز الثنائية السورية – الأميركية، إذ تسعى واشنطن إلى بناء إطار إقليمي جديد يعيد ضبط العلاقات بين سوريا وإسرائيل من جهة، وبين دمشق والعواصم العربية من جهة أخرى.
هذا التوجّه يعكس قناعة متزايدة داخل الإدارة الأميركية بأن عزل سوريا لم يعد سياسة فعالة، وأن احتواءها داخل تحالفات منضبطة قد يكون خياراً أكثر جدوى في مرحلة ما بعد الحرب الأوكرانية وإعادة تموضع القوى الكبرى في الشرق الأوسط.
دمشق تقرأ التحوّل الأميركي بحذر
في المقابل، أبدت دمشق استعداداً مشروطاً للانفتاح، لكنها حرصت على تأكيد أنها لن تقبل بأي تنازلات تمسّ سيادتها أو وحدة أراضيها.
مصادر سورية تحدثت عن رؤية الرئيس الشرع للمرحلة المقبلة باعتبارها «فرصة لإعادة التوازن» في علاقات بلاده مع الغرب من دون المساس بتحالفاتها التقليدية مع روسيا وإيران.
ووفق هذه المصادر، فإن الشرع حرص خلال اللقاء على نقل رسالة مفادها أن دمشق مستعدة للتعاون في ملفات مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي، شريطة أن يكون هذا التعاون «متكافئاً وغير مشروط».
ويبدو أن القيادة السورية تراهن على أن التقارب مع واشنطن قد يفتح الباب أمام استثمارات غربية ضخمة تسهم في إعادة الإعمار، خصوصاً أن الاقتصاد السوري يمرّ بمرحلة دقيقة تحتاج إلى انفتاح اقتصادي وسياسي محسوب.
إسرائيل في صلب المعادلة
اللافت أن ملف العلاقات السورية – الإسرائيلية عاد إلى الواجهة بقوة خلال المحادثات، مع تسريبات حول مقترح أميركي لتوقيع «اتفاقية أمنية» مشابهة لاتفاقيات إبراهيم.
تسعى واشنطن من خلال هذا الطرح إلى استبدال المواجهة القديمة بسياسة احتواء قائمة على التفاهمات الأمنية والاقتصادية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة، إن تمت، ستكون نقطة تحوّل تاريخية في الصراع العربي – الإسرائيلي، إذ تمهّد لمرحلة جديدة من «السلام البراغماتي» القائم على المصالح لا الأيديولوجيا، لكن هذا السيناريو ما زال محفوفاً بالمخاطر، لأن قبول دمشق بمبدأ التطبيع – حتى لو في الإطار الأمني فقط – قد يثير خلافات داخلية وإقليمية مع حلفائها التقليديين
من واشنطن إلى موسكو.. توازنات دقيقة
تتابع موسكو بحذر مسار الانفتاح السوري – الأميركي، إذ ترى في أي تقارب بين دمشق وواشنطن احتمالاً لتقليص نفوذها في المنطقة، لكن في الوقت ذاته، تدرك روسيا أن إعادة إدماج سوريا في المنظومة الدولية قد تخدم استراتيجيتها في تثبيت الاستقرار ومنع عودة الفوضى.
ولذلك، يعتقد بعض المحللين أن موسكو قد تغضّ الطرف عن هذا التقارب طالما أنه لا يمسّ مصالحها المباشرة في الساحل السوري أو القواعد العسكرية.
أما طهران، فموقفها أكثر تشدداً، إذ تخشى أن يؤدي أي تفاهم أميركي – سوري إلى تقليص وجودها العسكري وتقييد نفوذها السياسي في دمشق.
العرب بين الترحيب والتحفّظ
في العواصم العربية، جاء اللقاء الأميركي – السوري مفاجئاً لكنه لم يكن صادماً، فالكثير من الدول العربية التي أعادت فتح سفاراتها في دمشق ترى في هذه الخطوة الأميركية تأكيداً على أن العودة السورية إلى المحيط العربي تسير في الاتجاه الصحيح.
ومع ذلك، يبقى الحذر سائداً، إذ تتخوّف بعض العواصم من أن يتحول التقارب الأميركي – السوري إلى ورقة ضغط جديدة تُستخدم في ملفات أخرى مثل إيران أو لبنان أو حتى الغاز في شرق المتوسط، لكن إجمالاً، يُنظر إلى اللقاء باعتباره «فرصة نادرة» لإعادة سوريا إلى الدور الإقليمي الفاعل، ضمن منظومة توازنات جديدة قد تنهي سنوات العزلة.
الشرع وترمب.. لغة مصالح لا شعارات
بعيداً عن الخطاب العاطفي، اتسم اللقاء بين الشرع وترمب بطابع براغماتي واضح، فالأول يسعى لاستعادة موقع بلاده في الخارطة السياسية، والثاني يبحث عن إنجاز دبلوماسي يعزز موقعه الانتخابي في الداخل الأميركي.
وتؤكد تسريبات من البيت الأبيض أن لغة الحوار كانتمباشرة وصريحة، مع تركيز على «الملفات الأمنية» أكثر من «الإصلاحات السياسية»، ويقول مراقبون إن ترمب أراد أن يقدّم نفسه كـ«صانع صفقات»، بينما أراد الشرع أن يثبت أنه «شريك يمكن الوثوق به» في مكافحة الإرهاب وضبط الحدود.
نقطة التحوّل في شرق الفرات
لا يمكن فصل الحراك السياسي عن الميدان. فبالتزامن مع اللقاء، نفذت القوات السورية حملة أمنية واسعة ضد تنظيم «داعش» شرق البلاد.
توقيت العملية بدا محسوباً، إذ أرادت دمشق أن تُظهر لواشنطن أنها قادرة على فرض السيطرة الأمنية دون دعم خارجي، ويرى محللون أن هذه الحملة جاءت لتدعيم الموقف السوري في المفاوضات، وإرسال رسالة مفادها أن دمشق ليست عبئاً على التحالف الدولي بل جزءاً من الحل.
لكن يبقى السؤال: هل ستقبل واشنطن فعلاً بعودة القوات السورية إلى مناطق شرق الفرات التي تشكل موطئ نفوذ للقوات الأميركية والكردية؟
مرحلة ما بعد العزلة
يرى الدكتور كريم العوضي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة باريس، أن اللقاء الأميركي – السوري يمثل بداية مرحلة «ما بعد العزلة»، لكنه يحذر من المبالغة في توقع النتائج.
يقول العوضي: «ما حدث في واشنطن لا يعني مصالحة شاملة، بل اختبار متبادل للنوايا. واشنطن تريد أن ترى إن كانت دمشق قادرة على تقديم تنازلات حقيقية، ودمشق تريد معرفة إن كانت الوعود الأميركية قابلة للتنفيذ»، ويضيف أن «الولايات المتحدة تتعامل مع الملف السوري الآن بمنطق إدارة النفوذ وليس الحل النهائي»، موضحاً أن الهدف هو تقليص حضور روسيا وإيران لا إنهاء الصراع بالكامل.
ويؤكد أن أي تحول جذري في العلاقات سيظل مرهوناً بمدى استعداد سوريا للانخراط في منظومة أمنية جديدة تشمل تنسيقاً مع إسرائيل والغرب، وهو ما لا يبدو ناضجاً بعد.
اللقاء يحمل بعداً رمزياً أكبر من كونه عملياً
من جانبها، ترى الدكتورة ليلى منصور الباحثة في مركز الدراسات الشرق أوسطية ببرلين، أن اللقاء يحمل بعداً رمزياً أكبر من كونه عملياً.
تقول: «الرسالة الأهم من هذا اللقاء أن واشنطن تعترف بوجود سلطة سورية شرعية يمكن التعامل معها، وهذا في حد ذاته تحوّل جوهري بعد سنوات من العزلة»، وتضيف أن دمشق ستستفيد سياسياً واقتصادياً من هذه الانفتاحة، لكن الخطر يكمن في أن تتحول الوعود إلى أداة ضغط جديدة بدلاً من أن تكون مدخلاً للتعاون الحقيقي.
وتختم بقولها: «إذا نجح الطرفان في تجاوز الإرث العدائي وفتح قنوات مؤسسية للحوار، فقد نكون أمام شرق أوسط مختلف، يقوم على التوازن لا الإقصاء، وعلى الشراكة لا الصراع».






