إن تبني طفل مهمة عميقة، خاصة أنه عاش تجربة الفقدان، الانفصال، أو مر بظروف قاسية ومربكة. إن الأطفال في نظام الرعاية البديلة غالباً ما يحملون جراحاً غير مرئية، تتجاوز فقدان الأهل البيولوجيين لتشمل آثار الصدمات النفسية والإهمال. هذه الجراح قد تترجم إلى تحديات سلوكية وعاطفية كبيرة، مثل القلق، الاكتئاب، أو حتى أفكار مدمرة، مما يجعل الدعم العلاجي المبكر ضرورة قصوى لنجاتهم ونموهم الصحي.
جراح غير مرئية: تحديات التبني ومخاطر الصدمة
تشير الأبحاث المتخصصة إلى أن الأطفال الذين مروا بتجربة الرعاية البديلة يواجهون تحديات نفسية وسلوكية مضاعفة. فبالإضافة إلى ألم الانفصال، يصبحون أكثر عرضة للانخراط في مشاكل سلوكية معقدة، مثل اضطرابات الشخصية أو حتى الإدمان في مراحل متقدمة، خاصة إذا كثر تغيّر أماكن إقامتهم. إن هذه المخاطر تؤكد أن رعاية هذا الطفل ليست مجرد توفير مأوى، بل هي رحلة شفاء شاملة.
ماذا تحتاج هذه الرحلة؟ إنها تتطلب من الأهل بالتبنّي أدوات خاصة وفهماً عميقاً لآثار الصدمة وكيفية مداواتها، وتحويل البيت إلى مساحة آمنة.
نموذج “فطرة الأبوة”: 6 مبادئ لبناء التعلق الآمن
لتقديم رعاية فاعلة، قدمت المتخصصة جينيت يوف نموذجاً عملياً أطلقت عليه “فطرة الأبوة بالتبنّي“، حيث تمثل كل شريحة مبدأً أساسياً في رعاية طفل الصدمات:
بناء التعلق الآمن: الأمان هو لغة الشفاء الأولى. يجب أن يركز الأهل على التواصل غير اللفظي الهادئ والمطمئن— نظرة العين المتفهمة، ونبرة الصوت الداعمة، وحركات الجسد الهادئة. يجب النظر إلى مقاومة الطفل أو سلوكه الهجومي ليس كتحدٍ شخصي، بل كصرخة خوف بحاجة إلى احتواء.
فهم أثر الصدمات: الدماغ الذي اعتاد الخطر يبقى في حالة استنفار دائم. يجب على الأهل أن يستبدلوا السؤال السطحي “ما مشكلتك؟” بالسؤال الأعمق “ماذا حدث لك؟”. أنشطة مثل الموسيقى، الرسم، أو العلاج بالحيوانات تساعد في تهدئة الجهاز العصبي وإعادة برمجة الإحساس بالأمان.

سرد القصة الشخصية: إحدى أقوى وسائل العلاج هي مساعدة الطفل على إعادة سرد قصته وفهم ما جرى له. هذا يمنحه هوية متماسكة ويُعيد إليه الإحساس بالقيمة. يمكن استخدام أدوات مثل “دفتر رحلة التبنّي” للتعبير عن المشاعر ورسم أحداث حياته بطريقة علاجية.
الوعي بالجسد والدماغ: تُخزن الصدمة في الجسد، ولهذا قد يواجه الطفل انهياراً سريعاً عند أبسط المواقف. يمكن للأهل المساعدة عبر سؤاله عن مكان شعوره بالتوتر في جسده، أو عبر تشجيعه على ممارسة تمارين التنفس والتأمل أو اللعب بالصلصال.
الحركة والتغذية: إن التنظيم العاطفي يسبق التفكير. ممارسة المشي، الرقص، أو العزف الإيقاعي يساعد على تهدئة الدماغ. كما أن الاهتمام بالتغذية السليمة وتقليل السكريات يعد جزءاً أساسياً من تحقيق الاستقرار النفسي.
دعم الأهل بالتبني أنفسهم: رعاية طفل يحمل آثار صدمة ليست مهمة سهلة على الأهل. هم أيضاً بحاجة ماسة لشبكات دعم، ومجموعات مساندة، أو حتى جلسات استراحة للتخفيف من الضغط النفسي. كلما كان الأهل أقوى وأكثر دعماً، انعكس ذلك على قدرتهم على تقديم الرعاية الفعالة للطفل.
خلاصة القول: يستحق الأطفال في الرعاية البديلة فرصاً حقيقية للشفاء والنمو. تبنّي نهج قائم على التعاطف والوعي بالصدمات يحول المنزل إلى مساحة أمان تُعيد للطفل ثقته بنفسه وبالعالم من حوله. وكما تؤكد المتخصصة جينيت يوف: الشفاء ليس مهمة تُنجز في يوم، بل هو رحلة تُبنى “شريحة بعد أخرى” من الحب والتفهم.







