في المنطقة الصناعية بحلب، لا يزال المشهد ماثلًا: جدران سوداء من أثر الحرائق، وماكينات مكسورة تتناثر على الأرض وكأنها تروي قصة الخراب. كانت المدينة التي تُلقّب بـ”عاصمة الصناعة السورية” قلب صناعة الألبسة والمنسوجات في الشرق الأوسط، قبل أن تعصف بها سنوات الحرب التي التهمت نحو 70% من مصانعها.
أبو سامر، تاجر أقمشة ستيني، يقف أمام بقايا مصنعه ويقول بصوت متهدّج:
“كنّا نصدر إلى السعودية والكويت وليبيا… لم يكن هناك موسم دون شحنات. اليوم أعود إلى هنا كزائر غريب، أبحث فقط عن ذكرى.”
قانون قيصر: الطعنة الأخيرة للتجارة السورية
لم تكتف الحرب وحدها بتدمير البنية التحتية، بل جاء قانون قيصر ليقضي على ما تبقى من التجارة الخارجية السورية. فقد شملت العقوبات الأميركية البنوك والتحويلات المالية وحتى شحن المواد الأولية، الأمر الذي جعل أي محاولة لتصدير الألبسة أو استيراد مستلزمات الإنتاج مغامرة شبه مستحيلة.
يقول لؤي، تاجر شاب أعاد تشغيل ورشة صغيرة في دمشق:
“كنا نبيع القميص السوري بخمسة دولارات، ينافس التركي والمصري بجودته وسعره. لكن مع قيصر، لم نعد قادرين على تحويل الأموال ولا حتى شحن البضائع. أصبحنا نعيش في عزلة اقتصادية خانقة.”
لكن الصورة بدأت تتغير اليوم، فبعد انتهاء حقبة الأسد وتحرر سوريا من القيود التي كبّلتها طوال سنوات، بدأت الحكومة الجديدة تبحث عن مخارج عملية لإعادة دمج الاقتصاد السوري في محيطه العربي، والتفاوض على مسارات تخفف من وطأة العقوبات وتفتح الطريق أمام استعادة التبادل التجاري. وهنا يرى كثير من التجار أن عودة التصدير لم تعد مجرد حلم، بل احتمال واقعي ينتظر لحظة الانطلاق.
محاولات البقاء: أسواق الداخل أولاً
رغم القيود، لم يستسلم الصناعيون السوريون. بعضهم أعاد تشغيل ورش صغيرة في الأحياء السكنية بعيداً عن أنظار القصف، فيما لجأ آخرون إلى التعاون مع تجار عرب عبر طرق ملتوية.
أبو حسين، صاحب معمل ألبسة أطفال في دمشق، يروي بحماس:
“أعدنا العمل بإمكانات بسيطة. نستورد القماش عبر لبنان، ونبيع داخل السوق السورية. الطلب الداخلي رغم ضعفه موجود، والناس بحاجة إلى ملابس رخيصة. لكن هدفنا الحقيقي يبقى العودة إلى التصدير.”
بارقة أمل: الأسواق العربية تفتح الأبواب
مع هدوء نسبي في الجبهات خلال السنوات الأخيرة، بدأت بعض الدول العربية تبدي استعدادها لاستقبال الألبسة السورية من جديد. العراق، وخصوصًا إقليم كردستان، شكّل متنفسًا لصادرات محدودة، فيما تحدثت تقارير عن دخول شحنات صغيرة إلى الأردن وليبيا عبر وسطاء.
التاجر الدمشقي خالد يبتسم وهو يعرض عينات من ألبسة رجالية جديدة:
“الزبائن العرب ما زالوا يذكرون الجودة السورية. القطن الحلبي والأيدي العاملة الماهرة لا يعوضهما شيء. بمجرد أن تُفتح الأبواب، ستعود منتجاتنا بقوة.”
حوارات على أمل النهوض
في أحد المقاهي الشعبية بدمشق القديمة، يجتمع ثلاثة تجار يتناقشون حول المستقبل:
أبو سامر: “لقد خسرنا الكثير، لكن السوق السورية لن تموت. الألبسة كانت دائمًا عنواننا.”
لؤي: “المشكلة في البنوك والتحويلات… لو وجدنا طريقة رسمية لإدخال الأموال، سنستعيد عملاءنا في الخليج بسرعة.”
خالد: “أنا على يقين أن العودة ممكنة. الأسواق العربية عطشى لمنتج رخيص وذو جودة. السوري قادر على سد هذه الفجوة.”
نحو المستقبل: صناعة تنهض من تحت الركام
رغم التحديات، ثمة قناعة متزايدة بين الصناعيين السوريين أن مرحلة جديدة قد تبدأ قريباً. إعادة الإعمار، وإن كانت بطيئة، قد توفر بيئة مناسبة لعودة الاستثمار. كما أن الحديث عن تخفيف تدريجي لبعض العقوبات يثير التفاؤل.
لكن التحدي الأكبر يظل في كيفية تحديث الآلات المتهالكة وإعادة تأهيل العمالة التي هجرت أو نزحت. فبدون ذلك، ستبقى الصناعة السورية تدور في حلقة ضيقة داخل السوق المحلي.
عودة الأمل عبر خيوط القماش
صناعة الألبسة في سوريا هي أكثر من مجرد قطاع اقتصادي، إنها رمز للهوية وللاستمرارية. بعد أكثر من عقد من الحرب والدمار والعزلة، يقف الصناعيون السوريون اليوم بين الماضي المثقل بالخراب والمستقبل الذي قد يعيدهم إلى الخارطة الاقتصادية العربية.
كما قال أبو حسين وهو يلمس بيديه قطعة قماش قطنية:
“هذه الخيوط ليست مجرد أقمشة… إنها حبال أمل تربطنا بالمستقبل. متى ما انفرجت القيود، سترى الألبسة السورية من جديد في كل أسواق العرب.”






