تشهد مصر خلال هذه الأيام واحدة من أهم المحطات السياسية في مسارها الديمقراطي مع انطلاق المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية التي تغطي 14 محافظة من بينها الجيزة والإسكندرية والبحر الأحمر والأقصر وأسوان. وتأتي هذه الانتخابات في وقت تتطلع فيه الدولة إلى تثبيت دعائم الاستقرار السياسي وترسيخ الحياة الحزبية البرلمانية، بعد إعادة هيكلة النظام التشريعي بوجود غرفتين؛ مجلس النواب ومجلس الشيوخ. وفي خضم هذه العملية، يبرز سؤالان أساسيان: إلى أي مدى تؤدي الأحزاب السياسية دوراً فعّالاً في العملية الانتخابية؟ وهل يظل المال السياسي عاملاً مؤثراً في حسم المقاعد لصالح بعض المرشحين؟
هيمنة الأحزاب الكبرى
الواقع الحزبي المصري في الانتخابات الحالية يعكس حالة من التنوع النسبي من حيث المشاركة، لكن دون أن يصل إلى مستوى المنافسة القوية بين البرامج والأيديولوجيات كما كان مأمولاً بعد ثورة 2011. فعلى الرغم من وجود عشرات الأحزاب المسجلة رسميًا، فإن المشهد السياسي يُظهر هيمنة أحزاب كبرى محددة تمتلك بنية تنظيمية وقدرات مالية ولوجستية تجعلها أكثر قدرة على الانتشار في المحافظات، مقابل أحزاب صغيرة تفتقر إلى الموارد أو القاعدة الشعبية الكافية. ويبدو أن الكثير من الأحزاب اختارت الانخراط في تحالفات انتخابية تتيح لها الحفاظ على حضور رمزي أكثر من السعي لانتزاع مقاعد حقيقية في البرلمان.
ومن الملاحظ أن العملية الانتخابية تجري وسط أجواء من التنظيم الدقيق والإشراف الكامل من الهيئة الوطنية للانتخابات، ما يعكس حرص الدولة على ضمان نزاهة التصويت ومنع الممارسات غير القانونية، مثل شراء الأصوات أو استخدام النفوذ الإداري. ومع ذلك، لا تزال ظاهرة المال السياسي حاضرة في المشهد، وإن بشكل أكثر حذرًا من السنوات السابقة. فبعض المرشحين يستخدمون إمكاناتهم المالية الكبيرة لتأمين حملات دعائية ضخمة، تتضمن إقامة مؤتمرات انتخابية وتوزيع مواد غذائية أو مساعدات رمزية في المناطق الريفية والفقيرة، في محاولة لكسب أصوات الناخبين عبر التأثير غير المباشر. وتبرز هذه الممارسات خصوصًا في الدوائر ذات الكثافة السكانية العالية أو في المناطق التي يغيب عنها الوعي السياسي الكافي.
دور المال السياسي
المال السياسي في مصر لم يعد يظهر في صورة “شراء أصوات” فاضح كما في العقود الماضية، لكنه بات يتخذ أشكالاً أكثر تعقيدًا، منها الإنفاق الكبير على الإعلانات والملصقات، واستخدام الجمعيات الأهلية ذات الطابع الخيري للترويج غير المباشر للمرشح، إضافة إلى توظيف شبكات النفوذ المحلي، خصوصًا في القرى والعائلات الكبيرة، التي تمثل كتلاً تصويتية قادرة على ترجيح كفة أي مرشح ينجح في كسب ولائها. وتزداد أهمية هذا العامل في المحافظات الجنوبية والصعيد، حيث تلعب الروابط العائلية دورًا حاسمًا في تشكيل الخريطة الانتخابية أكثر من البرامج السياسية أو الانتماءات الحزبية.
في المقابل، تبدو الأحزاب التي تعتمد على العمل المؤسسي أكثر قدرة على مواجهة نفوذ المال السياسي، لأنها تمتلك كوادر تنظيمية في القرى والمراكز يمكنها تعبئة الناخبين استنادًا إلى علاقات سياسية وفكرية، لا مادية. ومع ذلك، يواجه العديد من الأحزاب تحدياً في التواصل الجماهيري الفعّال نتيجة ضعف الخبرات التنظيمية وقلة الموارد، مما يضعها في موقف غير متكافئ أمام المرشحين المستقلين ذوي الإمكانات المالية الكبيرة. ويؤدي هذا الخلل البنيوي إلى استمرار هيمنة الشخصيات المحلية القادرة على تمويل حملاتها ذاتياً، ما يحدّ من دور الأحزاب كقنوات مؤسسية للمنافسة الديمقراطية.
مراقبة سير العملية الانتخابية
من الناحية القانونية، شددت الهيئة الوطنية للانتخابات على مراقبة الإنفاق الانتخابي، وحددت سقفاً مالياً للحملات لمنع الإفراط في استخدام المال السياسي، كما دعت إلى الشفافية في مصادر التمويل. لكن التطبيق العملي لهذه الضوابط يظل مرهونًا بمدى قدرة الجهات الرقابية على متابعة آلاف المرشحين المنتشرين في أكثر من عشرة آلاف لجنة انتخابية. وبالرغم من التطور الكبير في آليات المراقبة، فإن الواقع الاجتماعي والاقتصادي في بعض المحافظات يجعل من الصعب كبح تأثير المال تمامًا، خصوصًا في الدوائر التي تتسم بمحدودية الوعي السياسي وضعف المشاركة الحزبية.
في هذا السياق، تلعب مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية دورًا مهمًا في مراقبة سير العملية الانتخابية، ورصد أي مخالفات محتملة، سواء كانت تتعلق بالدعاية المفرطة أو بمحاولات التأثير على الناخبين. ويشير حضور هذه المنظمات إلى تطور ملموس في بنية الرقابة المجتمعية، رغم أن عملها لا يزال مقيدًا أحيانًا بعوامل إجرائية أو بضيق الوقت المخصص للتقارير الميدانية.
أما على صعيد الأحزاب الكبرى، فقد اتجه معظمها إلى التركيز على تقديم قوائم انتخابية تجمع بين رموز سياسية وخبرات مهنية وشبابية، في محاولة لتأكيد حضورها في البرلمان المقبل وإظهار التنوع داخلها. لكن هذه القوائم غالباً ما تمثل ترتيبات سياسية أكثر منها منافسة برامجية حقيقية، حيث تتقاطع المصالح الحزبية مع اعتبارات التوازن الجغرافي والعائلي داخل الدوائر. وبالتالي، يغيب النقاش الجاد حول القضايا العامة كالتعليم والصحة والتنمية المحلية، لتحل محله اعتبارات الولاء الشخصي والقدرة على الحشد الانتخابي.
استخدام التكنولوجيا في فرز الأصوات
ويُلاحظ أيضاً أن هذه الانتخابات تأتي في لحظة اقتصادية حساسة تمر بها البلاد، وهو ما يجعل المواطن المصري ينظر إلى المرشحين من زاوية قدرتهم على تحسين أوضاعه المعيشية أو إيصال صوته للسلطة التنفيذية أكثر من اهتمامه بالانتماء الحزبي أو الأيديولوجي. وفي مثل هذا المناخ، تتراجع البرامج السياسية لصالح الشخصيات التي تمتلك حضوراً اجتماعياً واسعاً أو نفوذاً محلياً ملموساً، مما يمنح المال السياسي مجدداً دوراً مؤثراً في ترجيح النتائج، حتى وإن لم يكن العامل الوحيد في الحسم.
لكن من المهم الإشارة إلى أن المال وحده لا يضمن الفوز، فالمزاج الانتخابي المصري تطور نسبياً خلال السنوات الأخيرة، وأصبح الناخب أكثر وعياً بضرورة اختيار ممثل قادر على الإنجاز والتواصل المستمر، لا مجرد توزيع المساعدات. كما أن الدولة تبذل جهوداً واضحة في تقليص نفوذ المال السياسي من خلال إشراف قضائي كامل على الصناديق، وتأمين اللجان الانتخابية، واستخدام التكنولوجيا في فرز الأصوات، بما يحدّ من فرص التلاعب أو التأثير المباشر.
النزاهة الانتخابية وضمان المشاركة السياسية
وتبقى إحدى المعضلات الجوهرية هي أن النظام الحزبي المصري لا يزال في طور التشكل، إذ لم تتمكن معظم الأحزاب من بناء قاعدة جماهيرية قادرة على خوض منافسة حقيقية دون الاعتماد على الأفراد أو المصالح. ومن ثم، فإن تطور التجربة البرلمانية في المستقبل سيتوقف إلى حد كبير على قدرة الدولة والمجتمع على دعم التعددية الحزبية الحقيقية، وتشجيع الأحزاب على تطوير برامج واضحة تخاطب الناخبين بلغة المصالح الوطنية لا المصالح الفردية.
في النهاية، يمكن القول إن الانتخابات التشريعية الجارية تمثل اختبارًا جديدًا لقدرة الدولة المصرية على موازنة بين متطلبات النزاهة الانتخابية وضمان المشاركة السياسية الواسعة. فبينما تواصل الأحزاب سعيها لتثبيت حضورها في الحياة السياسية، يبقى المال السياسي أحد التحديات المستمرة التي تواجه العملية الديمقراطية في مصر. ومع ذلك، فإن نجاح الهيئة الوطنية في إدارة العملية بشفافية، ووعي الناخبين المتزايد، يشيران إلى أن المشهد الانتخابي المصري يسير تدريجياً نحو نضج أكبر، حيث يتراجع تأثير المال أمام إرادة الناخب وثقته في أن صوته بات قادراً فعلاً على صنع الفارق.






