تواجه بغداد اليوم معضلة مركبة: مجموعات مسلّحة ذات أصول وشبكات علاقات داخل النسيج السياسي والمجتمعي، وضغوط أميركية متصاعدة من جهة تهدّد بخيارات أمنية وعسكرية، وتفاعلات إقليمية (خصوصاً إيرانية) من جهة ثانية تحمي مصالح هذه الفصائل أو تتعامل معها كأدوات نفوذ. هذا المشهد يقف على مفترق عملي وسياسي: هل يمكن للعراق القضاء على هذه الفصائل؟ الإجابة العملية تختزلها ثلاثة عناصر أساسية متداخلة، القدرة الأمنية للحكومة وسيادتها، البُعد السياسي الداخلي وتوازن القوى، والحوافز الإقليمية والدولية، وكل عنصر منها يحمل قيوداً تجعل الحلّ السريع أو الأحادي غير محتمل على المدى القصير.
بنية الفصائل وعلاقتها بالدولة
الفصائل المدرجة ضمن ما يسمى «الحشد» أو تشكيلات مسلحة موالية لإيران ليست مجرد خلايا عسكرية؛ بل هي شبكات تمتلك أذرعاً سياسية، قواعد اجتماعية محلية، وموارد مالية، وفي بعض الحالات صلات بالاقتصاد المحلي أو بالتهريب. هذا التكامل بين البنية العسكرية والسياسية يجعل عملية «نزع السلاح» مماثلة لعملية تفكيك نظام شبه موازي داخل الدولة، ولا تقتصر على عملية عسكرية بحتة بل تتطلب إعادة إدماج اقتصادي وسياسي واجتماعي. بالتالي، أي محاولة لحل المشكلة عبر القوة فقط قد تثير فراغ أمني وسياسي يستغلُّه آخرون ويؤدي إلى دوامة عنف جديدة.
الضغوط الأميركية الراهنة على بغداد (بيانات صريحة من وزارة الخارجية وتحذيرات عسكرية) تُظهر أن واشنطن تستعد لخيارات متعددة لفرض تغيير في تصرفات الفصائل أو ردعها، بما في ذلك الضربات الجوية أو تهديدات عسكرية قريبة من الحدود. ولكن قدرة واشنطن على فرض حل دائم تبقى محدودة بدون شريك عراقي قوي وذو شرعية قادر على ملء الفراغ. كما أن الإجراءات الخارجية قد تُرسّخ رواية لدى قطاعات عراقية بأن الولايات المتحدة تُحاول فرض إرادتها، ما يعقد العملية السياسية ويمنح أدوات خطابية للفصائل وحلفائها.
الانتخابات وتوازن القوى
تُجري العراق انتخابات برلمانية في سياق تصدع التحالفات الإقليمية والشيعية الداخلية؛ قوى مثل «الإطار التنسيقي» و«التيار الصدري» وغيرهما تستخدم ملف الفصائل كورقة تفاوض ونفوذ. أي مسار نزع سلاح لا يأخذ بعين الاعتبار توزيع المكاسب السياسية والتحالفات سيواجه مقاومة داخلية قوية. من الناحية العملية، الحكومة المركزية مطالَبة بأن تقدم حزمة بدائل: إدماج عناصر مقبولة في مؤسسات الدولة، محاكمات لمن تثبت إدانتهم، وبرامج اقتصادية للحد من الاعتماد على مصادر تمويل غير رسمية. بدون ذلك تبقى قرارات نزع السلاح هشة زائلة.
تحويل الفصائل أو أجزاء منها إلى أطر رسمية (قوات احتياطية، وحدات تابعة لوزارة الداخلية أو الدفاع) مع شروط مراقبة وتدريب وحصرية السلاح للدولة. هذا خيار يواجه مقاومة أيديولوجية لكنه عملي في تقليل السلاح خارج الإطار الرسمي، وهي استراتيجية مزدوجة تستخدم التهديد العسكري المحدود لردع هجمات الفصائل، مصحوباً بمسارات تفاوضية مع قادة هذه الفصائل حول الضمانات الأمنية والسياسية. نجاح هذا النهج يعتمد على قدرة بغداد على الاستفادة من الضغوط الخارجية دون أن تُفقد شرعيتها.
وعن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية كمقايضة للتسليم، ضرورة وجود برامج واسعة لإعادة الإدماج والوظائف تنال من قاعدة الاحتضان الاجتماعي للفصائل. هذا المسار هو الأكثر استدامة لكنه طويل ويتطلب تمويلاً دولياً وإرادة سياسية وطنية، فضلا عن أن الحل العسكري الكامل، غير مرجح ومستبعد عملياً كمخرج مستدام لأنه سيولد مقاومة مسلحة واسعة ويعصف بالمساحة السياسية، كما أنه قد يجرّ العراق إلى مواجهة إقليمية مباشرة.
المعوقات الرئيسية أمام «القضاء» على الفصائل
• الشرعية والمصالح المحلية: بعض الفصائل تحظى بتأييد محلي أو تمثل مجتمعات لها قضية أو نار قديمة ضد جهات أخرى.
• الارتباطات الإقليمية: وجود تحالفات إقليمية (خصوصاً إيرانية) يجعل الأمر جزءاً من تنافس أكبر لا يستطيع العراق احتواؤه منفرداً.
• الموارد والاقتصاد الموازٍ: عائدات من شبكات تهريب أو تجارتها تجعل من بعض القادة مستقلين مادياً سيقاومون التخلي عن مصادر دخلهم.
• الاستحقاقات الانتخابية: حين يرتبط وزن الفصائل أو حلفائها بصيغ تمثيل برلماني، فإن إسقاطها يعني إحداث تغيير جذري في خرائط المصالح السياسية.
هل يمكن القضاء عليها؟
القضاء الشامل والسريع على الفصائل المسلحة في العراق غير مرجح في الأفق القريب. ما هو ممكن عملياً هو إدارة عملية تفكيك تدريجية ومقيدة: بالجمع بين ضغط دولي محسوب، إجراءات أمنية عراقية محدودة تستهدف القيادات المتورطة في هجمات ضد المدنيين أو القوات، وبرامج سياسية واقتصادية لإعادة الإدماج وتقديم بدائل. مفتاح النجاح هو أن تُظهر الحكومة العراقية قدرات حقيقية على الحوكمة والعدالة واستعادة سيادة القرار، وإلا فستبقى الحلول سطحية أو مؤقتة وتعيد المشهد نفسه بعد سنوات.
السياق الراهن من ضغوط أميركية متصاعدة وتعقيدات انتخابية داخلية، قد يخلق فرصاً لفرض بعض التغييرات، فإن أي حل فعّال يتطلب زمن تنفيذ طويل، توافر بدائل اقتصادية، وإعادة بناء ثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وإلا فإن «القضاء» على الفصائل سيبقى شعاراً يصطدم بحدود الواقع السياسي والاجتماعي.






