الحرب الدائرة في قطاع غزة لم تعد تُقرأ باعتبارها مجرد جولة عسكرية بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، بل باتت جزءاً من سياق تاريخي ممتد منذ أكثر من قرن، يحمل أبعاداً استعمارية وحضارية ودينية وسياسية متشابكة. فإسرائيل لا تُقدَّم فقط كقوة احتلال على أرض فلسطين، وإنما كامتداد مباشر للاستعمار الغربي في المنطقة، وهو ما أعاد القضية الفلسطينية إلى قلب الصراع الإقليمي والعالمي، وكرسها باعتبارها مفتاحاً لفهم ديناميات الأمن في الشرق الأوسط.
تزايد الانتقادات الأوروبية
أحد أبرز ملامح هذا المسار هو تعزز الوعي الجمعي العربي والإسلامي بأن إسرائيل تمثل خطراً وجودياً، لا سيما بعد حرب غزة الأخيرة التي عمقت صورة الاحتلال كعدو مشترك للأمة. وقد انعكس ذلك على برامج الحركات الإسلامية، وعلى المزاج الشعبي الذي عبّر عنه اتساع دائرة المقاطعة الاقتصادية للشركات الداعمة لإسرائيل، حيث تحولت مقاطعة العلامات التجارية الغربية من سلوك فردي إلى فعل جماعي قيمي وسياسي يعكس تحولاً في الثقافة العامة.
في الوقت نفسه، تراجعت شرعية إسرائيل الدولية بشكل غير مسبوق. فقد وجدت نفسها معزولة في مجلس الأمن في أكثر من مرة، فيما أظهر استطلاع مركز بيو أن النظرة السلبية لها تتصاعد في مختلف القارات، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة التي كانت تاريخياً الحليف الأوثق. ومع تزايد الانتقادات الأوروبية وتصاعد الأصوات الداعية لفرض عقوبات، تبدو إسرائيل مهددة بخسارة جزء من مظلتها الدبلوماسية التي اعتمدت عليها لعقود.
وحشية إسرائيل المفرطة
إقليمياً، برزت مؤشرات على إعادة تموضع لعدد من الدول المحيطة بفعل المخاوف من السلوك الإسرائيلي. تركيا ذهبت إلى حد فرض قطيعة اقتصادية شبه كاملة، بينما عززت مصر حضورها العسكري في سيناء تحسباً لأي سيناريو تهجير قسري لغزيين. الأردن، رغم محاولته ضبط إيقاع مواقفه، استشعر الخطر من تصريحات إسرائيلية تمس سيادته مباشرة. أما السعودية، فوجدت نفسها أمام خيار صعب بين التمسك بمسار السلام أو مواجهة الرأي العام الذي أصبح أكثر رفضاً للتطبيع، حيث أظهر استطلاع أن 86% من السعوديين ضد أي اتفاقيات مع إسرائيل.
المفارقة أن وحشية إسرائيل المفرطة في غزة، والتي اعتقدت أنها ستكسر المقاومة وتفرض معادلة ردع جديدة، تحولت إلى سلاح ضدها. إذ ساهمت مشاهد القصف والدمار والضحايا المدنيين في صناعة حالة رفض عالمي واسع لسياساتها، وحشد التأييد للمقاومة كخيار مشروع. وهنا يتجلى البعد الإستراتيجي العكسي: فبينما تحقق إسرائيل بعض النجاحات التكتيكية في الميدان، فإنها تخسر استراتيجياً بتسريع عزلتها وتعميق عداء شعوب المنطقة لها.
هزيمة إستراتيجية
بهذا المعنى، تبدو إسرائيل اليوم في مواجهة أزمة ممتدة تتجاوز حدود غزة والضفة، لتطرح سؤالاً وجودياً على مشروعها نفسه: كيف يمكن لدولة قامت في لحظة تاريخية استثنائية، أن تحافظ على بقائها في ظل تآكل شرعيتها الدولية، وتصاعد رفض محيطها الإقليمي، وتغير موازين القوى العالمية؟ الإجابة حتى الآن تشير إلى أن الحرب على غزة قد تكون نقطة انعطاف تاريخية، تهدد بتحويل ما اعتُبر نصراً عسكرياً إلى هزيمة إستراتيجية طويلة الأمد.






