في وقت تتشابك فيه التوترات الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية، بدأت تداعيات التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران تنعكس سريعًا على الأسواق العالمية، لتعيد إلى الواجهة مخاوف المستثمرين من موجة جديدة من التقلبات وارتفاع تكاليف الطاقة.
وقفزت أسعار النفط بفعل المخاوف على أمن الإمدادات، وتعرضت أسواق الأسهم الأمريكية والعالمية لضغوط بيعية، في إشارة إلى حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أي اضطراب في منطقة الشرق الأوسط.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة، حيث يواجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي معضلة صعبة بين احتواء التضخم والحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي.
النفط يقفز مع انهيار التهدئة
وفي ظل هذه المعطيات، يترقب المستثمرون مسار السياسة النقدية الأمريكية، وسط توقعات بأن يؤدي استمرار التصعيد العسكري وارتفاع أسعار الطاقة إلى تأجيل أي تخفيض للفائدة، أو حتى فتح الباب أمام تشديد نقدي جديد، بما يضع الاقتصاد العالمي أمام مرحلة أكثر ضبابية خلال الفترة المقبلة.
وتراجعت أسواق الأسهم الأمريكية يوم الأربعاء مع استمرار الولايات المتحدة في شن ضربات على إيران، وأشار مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى مخاوف من شأنها أن تستدعي رفع أسعار الفائدة.
أدى إعلان دونالد ترامب في قمة الناتو بأنقرة انتهاء وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط يوم الأربعاء. وقفز خام برنت، المعيار العالمي، بأكثر من 5% ليتجاوز 80 دولارًا للبرميل.
خسائر الأسهم تتسع مع تصاعد المخاوف
وانخفضت الأسهم الأمريكية بالتوازي مع ذلك، حيث تراجع مؤشر داو جونز بنسبة 1.09%، أي 500 نقطة، عند إغلاق جلسة الأربعاء. وشهد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 خسارة طفيفة، بينما ارتفع مؤشر ناسداك، الذي يضم شركات التكنولوجيا، ارتفاعًا طفيفًا.
وكانت الأسهم العالمية قد انخفضت في وقت سابق من اليوم، حيث تراجع مؤشر فوتسي 100 البريطاني بنسبة 1%، بينما انخفض مؤشر نيكاي الياباني بنسبة 2.1%.
في قمة الناتو في تركيا، انتقد ترامب القيادة الإيرانية، واصفاً إياهم بـ”المرضى”، وقال إنه “مستاء للغاية” من التحالف العسكري الإيراني مع إسبانيا. وقال ترامب: “بالنسبة لي، انتهى الأمر”، على الرغم من أنه قال إن المفاوضين الأمريكيين أرادوا مواصلة المحادثات.
الحرب تخفض توقعات النمو
امتدت التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية لتشمل العالم أجمع. ففي يوم الأربعاء، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى 3%، بعد أن كانت 3.1% في أبريل/نيسان، عازياً ذلك إلى الصراع في الشرق الأوسط وضغوط الإنفاق على الذكاء الاصطناعي. وبلغ متوسط النمو العالمي في عامي 2024 و2025 نحو 3.5%.
رغم انخفاض أسعار النفط بشكل حاد خلال فترة وقف إطلاق النار، ظلت أسعار البنزين مرتفعة. ويبلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.79 دولارًا للجالون، أي بزيادة قدرها 0.65 دولارًا للجالون مقارنةً بالعام الماضي، وفقًا لجمعية السيارات الأمريكية (AAA) . كما ارتفعت العقود الآجلة للديزل في الولايات المتحدة بنسبة 13% يوم الأربعاء بعد أن فرضت روسيا حظرًا على تصدير الديزل عقب غارة جوية أوكرانية بطائرة مسيرة استهدفت مصافي تكرير رئيسية.
في شهر مايو، قفز معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة إلى 4.2%، وهو أعلى مستوى له في ثلاث سنوات وأكثر من ضعف معدل التضخم المستهدف من قبل الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
هل تؤجل الحرب خفض أسعار الفائدة؟
أظهرت محاضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأخير، التي نُشرت بعد أسبوعين، أنه على الرغم من وجود بعض الخلافات حول موعد انخفاض التضخم، إلا أنه لم يُناقش خفض أسعار الفائدة في المستقبل القريب إلا بشكل محدود. ويمثل هذا تحولاً عن اجتماعات الاحتياطي الفيدرالي السابقة، حيث جادل بعض المسؤولين بأن التضخم سيكون مؤقتاً.
بينما يعتقد بعض المسؤولين أنه يمكن الحفاظ على سعر الفائدة الحالي، المحدد في نطاق مستهدف من 3.5٪ إلى 3.75٪، أو حتى خفضه إذا انخفض التضخم، أشار آخرون إلى أنه سيتعين زيادة أسعار الفائدة قبل نهاية العام للتعامل مع ارتفاع التضخم، وفقًا للمحضر.
وجاء في المحضر: “كان كل من التضخم الإجمالي والتضخم الأساسي أعلى من مستوياتهما قبل عام، وهو تطور عزاه الموظفون إلى مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك تمرير الزيادات السابقة في التعريفات الجمركية، وارتفاع تكاليف الطاقة والمدخلات الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط، والزيادة الكبيرة في الطلب المتعلقة بتطوير الذكاء الاصطناعي”.
من المؤكد أن رفع أسعار الفائدة سيثير استياء ترامب، الذي طالب مجلس الاحتياطي الفيدرالي بخفضها رغم ارتفاع معدلات التضخم. وسيمثل التعامل مع هذا التوتر تحدياً لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، الذي تولى منصبه في مايو/أيار بعد ترشيحه بحماس من قبل ترامب.






