شهدت منطقة الخليج تصعيدًا خطيرًا جديدًا مع تبادل إيران والولايات المتحدة هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في واحدة من أعقد جولات التوتر منذ أشهر، ما أعاد مضيق هرمز إلى واجهة الأزمات الدولية، وسط مخاوف متزايدة من انهيار مسار التفاوض المتعثر بين واشنطن وطهران.
وجاءت التطورات الأخيرة لتكشف هشاشة الهدنة غير المعلنة بين الطرفين، بعدما أعلن «الحرس الثوري» الإيراني اعتراض ناقلة نفط في مضيق هرمز بزعم عبورها دون تنسيق مسبق مع السلطات الإيرانية، في خطوة أثارت قلقًا واسعًا داخل الأوساط الدولية المرتبطة بأمن الطاقة والملاحة البحرية.
تصعيد عسكري يربك الخليج
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن قواتها اعترضت 6 صواريخ باليستية و4 طائرات مسيّرة أطلقتها إيران باتجاه مواقع في الكويت والبحرين ومحيط مضيق هرمز، مؤكدة أن صاروخًا سابعًا سقط قبل بلوغ هدفه.
في المقابل، أكدت الكويت والبحرين تعرض مجالهما الجوي لاختراقات صاروخية، حيث أعلن الجيش الكويتي ووزارة الدفاع البحرينية التصدي لعشرات المقذوفات، في تطور وصفه مراقبون بأنه الأخطر على أمن الخليج منذ سنوات.
ويعكس هذا التصعيد انتقال المواجهة الإيرانية الأميركية من مرحلة الرسائل السياسية إلى اختبار مباشر لقدرات الردع العسكرية، خصوصًا مع اتساع نطاق الاستهداف ليشمل دولًا خليجية حليفة لواشنطن.
هرمز.. شريان الطاقة العالمي تحت التهديد
عاد مضيق هرمز مجددًا إلى قلب الأزمة، بعدما حذر «الحرس الثوري» من أي تحركات بحرية لا تخضع لما وصفه بـ«التنسيق الأمني الإيراني»، وهو ما أثار مخاوف شركات الشحن وأسواق النفط العالمية من احتمال تعطل حركة الملاحة.
ويُعد المضيق أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب أمني فيه قادرًا على إحداث هزات اقتصادية واسعة النطاق.
وتخشى الأسواق من أن يؤدي استمرار التوتر إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري، فضلًا عن احتمالات قفز أسعار الطاقة عالميًا، خاصة مع تزايد التحذيرات الدولية من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
إدانات خليجية وتحذيرات من تقويض الاستقرار
في سياق متصل، جدّدت السعودية إدانتها الشديدة للهجمات الإيرانية التي استهدفت البحرين والكويت، مؤكدة أن هذه الاعتداءات تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي.
وشددت الرياض على ضرورة وقف أي أعمال من شأنها زعزعة استقرار المنطقة، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في مواجهة التصعيد الإيراني المتكرر.
كما أصدر مجلس التعاون الخليجي بيانًا حاد اللهجة أكد فيه أن استمرار إيران في «الأعمال الإرهابية»، بحسب وصفه، يكشف رغبتها في تقويض جهود السلام والاستقرار في المنطقة، محذرًا من التداعيات الخطيرة لمثل هذه التحركات على أمن الخليج والممرات البحرية الدولية.
الوساطة الباكستانية تعود إلى الواجهة
على الصعيد الدبلوماسي، كشفت مصادر سياسية عن تحرك باكستاني جديد لإحياء قنوات الوساطة بين طهران وواشنطن، حيث يعتزم وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إجراء مباحثات مع مسؤولين إيرانيين خلال الفترة المقبلة.
وتسعى إسلام آباد إلى استغلال علاقاتها المتوازنة مع الطرفين لخفض حدة التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى صدام شامل، خصوصًا في ظل تعثر المحادثات غير المباشرة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
ويرى مراقبون أن التحرك الباكستاني قد يشكل نافذة محدودة لإعادة إحياء المسار التفاوضي، لكن نجاحه يبقى مرهونًا بقدرة الطرفين على احتواء التصعيد العسكري المتسارع.
اجتماع أميركي سري لمستقبل النووي الإيراني
وفي واشنطن، كشفت تقارير عن اجتماع سري جمع المبعوثين الأميركيين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف مع نحو 100 خبير نووي، بهدف إعداد سيناريوهات وخطط جاهزة للتعامل مع المواد النووية الإيرانية في حال التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران.
ويعكس الاجتماع حجم القلق الأميركي من تعقيدات الملف النووي الإيراني، خاصة مع استمرار تخصيب اليورانيوم وغياب الثقة المتبادلة بين الجانبين.
كما يشير إلى أن الإدارة الأميركية لا تزال تضع خيار التفاوض على الطاولة، رغم التصعيد العسكري المتزايد، في محاولة لمنع تحول الأزمة إلى مواجهة شاملة قد تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والأمن الدولي.
المنطقة أمام اختبار مصيري
ويرى محللون أن التطورات الأخيرة تضع الشرق الأوسط أمام مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تداخل الملفات العسكرية والنووية والاقتصادية في أزمة واحدة.
فبين التصعيد في مضيق هرمز، والرسائل العسكرية المتبادلة، ومحاولات الوساطة السياسية، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك على حافة مواجهة واسعة قد تعيد رسم موازين القوى الإقليمية.
ومع غياب مؤشرات واضحة على نجاح التهدئة، يبقى السؤال المطروح: هل تنجح الوساطات الدولية في احتواء الانفجار قبل فوات الأوان، أم أن الخليج يتجه إلى فصل جديد من المواجهة المفتوحة؟




