بعد عام تقريباً على توليه منصبه، يجد محافظ المصرف المركزي الليبي، ناجي عيسى، نفسه في قلب العاصفة السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد، بعد استدعائه من البرلمان للمساءلة حول سياسات المصرف وأزمة السيولة التي ازدادت تفاقماً خلال الأشهر الأخيرة. غير أن هذا الاستدعاء، الذي يوحي بوجود مساءلة مؤسسية، يكشف في العمق عن استمرار حالة الانقسام السياسي والمؤسسي التي تشلّ قدرة الدولة الليبية على إدارة مواردها، وتمنع أي إصلاح نقدي حقيقي من التحقق، إذ أصبح المصرف المركزي، رغم كونه مؤسسة سيادية يفترض أن تكون محايدة، أحد ميادين الصراع بين الحكومتين المتنازعتين في طرابلس والشرق.
انقسام المشهد الليبي
في ظل واقع الانقسام المزدوج الذي يطبع المشهد الليبي منذ سنوات، تحوّل المصرف المركزي من جهة تنظيمية للسياسات المالية إلى ساحة تنازع على الشرعية الاقتصادية. فهو مطالب بالتعامل مع حكومتين تتنازعان السيطرة على موارد الدولة، وعلى رأسها عائدات النفط التي تمثل أكثر من 90 في المئة من الإيرادات العامة. ويعني ذلك أن أي قرار نقدي أو مالي يتخذه المحافظ ينعكس سياسياً على إحدى السلطتين، ويُقرأ من الطرف الآخر على أنه اصطفاف أو انحياز. هذا ما يفسر تصاعد الضغوط على ناجي عيسى، الذي وجد نفسه متَّهماً من طرفي الصراع في آن واحد: فحكومة الغرب تتهمه بالتقاعس عن معالجة أزمة السيولة وتراجع قيمة الدينار، بينما ترى القوى في الشرق أنه يقيّد الإنفاق ويعطّل مخصصات التنمية في مناطقها.
ورغم أن مساءلة المحافظ حقّ دستوري للبرلمان، فإن توقيتها يثير تساؤلات حول دوافعها السياسية، خصوصاً في ظل غياب رؤية اقتصادية موحدة يمكن تقييم أدائه على أساسها. فبيئة العمل التي يتحرك فيها المصرف المركزي معقدة إلى حدٍّ كبير؛ إذ يتعامل مع منظومة مالية منقسمة وموازنات مزدوجة، بلغت في عام 2024 نحو 224 مليار دينار، منها 123 ملياراً لحكومة طرابلس و59 ملياراً لحكومة الشرق، إلى جانب 42 ملياراً لبرامج مبادلة النفط. هذا الإنفاق المنفلت في ظل غياب رقابة موحدة أوجد ضغطاً كبيراً على النقد الأجنبي بلغ 36 مليار دولار، وأدى إلى اضطراب في سعر الصرف وتآكل القدرة الشرائية للدينار الليبي، ما أعاد إلى الواجهة أزمات الثقة والفساد وفوضى الإنفاق العام.
توازنات القوى المسلحة والسياسية
لكن الإشكالية لا تتوقف عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى صلب العلاقة بين المؤسسات المالية والسياسية في ليبيا. فالمصرف المركزي، الذي يفترض أن يكون حارساً للاستقرار المالي، وجد نفسه مكبلاً بتوازنات القوى المسلحة والسياسية التي تتحكم فعلياً في القرار الاقتصادي. من هنا، فإن تحميل المحافظ وحده مسؤولية الأزمات المالية يبدو مجحفاً، إذ إن جذور هذه الأزمات سياسية بالأساس. فالانقسام بين الحكومتين أنتج موازنتين متنافستين، وسوقاً موازية للنقد الأجنبي، ومراكز نفوذ تتحكم في الإنفاق، ما أفقد السياسة النقدية فعاليتها، وجعل أي إصلاح نقدي عرضة للتجاذبات.
في المقابل، يرى بعض النواب والمراقبين أن استدعاء المحافظ خطوة ضرورية لتصحيح مسار مؤسسة فقدت ثقة الشارع. فالمواطن الليبي، الذي خبر سنوات من الأزمات المصرفية، ما زال يحتفظ بنقوده في منزله بدلاً من إيداعها في المصارف، خوفاً من أزمة سيولة جديدة. كما أن سياسات المصرف التي تفضّل بيع العملات الأجنبية للتجار دون الأفراد، وتشجع على استخدام الدفع الإلكتروني رغم ضعف البنية التحتية، فاقمت من الفجوة بين المواطن والمؤسسة النقدية. هذه الممارسات جعلت كثيرين يعتبرون المصرف المركزي بعيداً عن هموم الناس اليومية، وغير قادر على تأمين أبسط متطلبات النظام المالي، وهي السيولة النقدية.
انتقادات أممية وتحذيرات اقتصادية
في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل الضغوط السياسية التي يتعرض لها المحافظ بسبب قراراته الأخيرة بتقييد أوامر الصرف والتعاقد مع شركة أميركية لمراجعة الامتثال المالي، وهي خطوة فُهمت من قبل بعض القوى النافذة على أنها محاولة لتقييد الفساد وإعادة ضبط الإنفاق، لكنها في الوقت ذاته أثارت غضب من اعتادوا استخدام المال العام كأداة نفوذ. وتذهب بعض التحليلات إلى أن جلسة الاستجواب البرلمانية ليست سوى محاولة من هذه القوى للضغط على المحافظ، خصوصاً بعد كشف المصرف عن وجود عشرة مليارات دينار مجهولة المصدر، ما فتح الباب أمام تساؤلات محرجة عن شفافية الإنفاق في الحكومتين.
وتتقاطع هذه التطورات مع انتقادات أممية وتحذيرات اقتصادية من التوسع في الإنفاق غير المنضبط، بعد أن أقرّ البرلمان ميزانية ثلاثية ضخمة لصندوق التنمية والإعمار برئاسة نجل المشير خليفة حفتر، بقيمة 69 مليار دينار. فقد اعتبرت المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هنا تيتيه، أن هذا التوسع المالي يقوّض قدرة المصرف المركزي على الحفاظ على استقرار سعر الصرف وكبح التضخم، خصوصاً في ظل غياب ميزانية وطنية موحدة. كما أن تسابق الحكومتين على توقيع عقود إعادة الإعمار في مناطق نفوذهما يعمّق الانقسام ويزيد الطلب على العملة الأجنبية في السوق الموازية، ما يؤدي إلى مزيد من الضغط على الدينار وارتفاع الأسعار.
المؤسسات الاقتصادية رهينة صراع سياسي
في ضوء هذا المشهد، تبدو أزمة السيولة وانخفاض قيمة العملة عرضاً لأزمة أعمق تتعلق بغياب الدولة الواحدة ومؤسساتها الموحدة. فالمصرف المركزي لا يمكنه ضبط السياسات النقدية في بيئة تتنازع فيها سلطتان على الموارد والقرارات. كما أن غياب الثقة بين المؤسسات والمواطنين، واستمرار الفساد المستشري، يجعل أي إصلاح اقتصادي غير ذي جدوى. وحتى الجهود الفنية، مثل تقييد الإنفاق أو تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني، لن تنجح ما لم تُحسم أولاً معركة الشرعية السياسية، ويُعاد توحيد المؤسسات السيادية.
إن جلسة مساءلة المحافظ قد لا تسفر عن قرارات حاسمة، لكنها تكشف عمق المأزق الليبي، حيث تتحول المؤسسات الاقتصادية إلى رهائن في صراع سياسي طويل الأمد. فبدلاً من أن تكون السياسات المالية أداة لاستقرار الدولة، أصبحت جزءاً من أدوات المناكفة بين أطراف النزاع. وفي غياب تسوية سياسية شاملة تعيد توحيد البنك المركزي وتضع حداً لازدواجية السلطة، ستظل الأزمة النقدية في ليبيا تتكرر بصيغ مختلفة، وسيبقى المواطن الليبي يدفع الثمن الأكبر في صورة تراجع للدينار، وارتفاع للأسعار، واستمرار طوابير المصارف التي لم تنتهِ منذ أكثر من عقد من الزمان.






