قدّم الرئيس قيس سعيّد، في اجتماع مجلس وزاري، سردية سياسية تقوم على أنّ “الدولة واحدة وسلطتها للشعب”، وأنّ النصوص لا قيمة لها ما لم تتحول إلى فعل. الرسالة المباشرة هنا: تحميل الجهاز التنفيذي كامل المسؤولية عن التنفيذ السريع، والتحذير من “محاولات التفكيك” داخلياً وخارجياً. هذا الخطاب يعكس استمرار توجّه مركَز للقرار منذ 2021 (حلّ البرلمان، دستور جديد، وتوسيع سلطات الرئاسة)، ويضع الإدارة والهيئات العمومية أمام اختبار أداء لا أمام جدل تشريعي. لكنه يتقاطع، في الوقت نفسه، مع انتقادات حقوقية ومعارضة سياسية تتحدث عن تضييق على الحريات والنقابات والإعلام، وأحكام قضائية قاسية بحق شخصيات معارضة، وهو ما وثّقته تقارير ووكالات دولية خلال الأشهر الأخيرة. AP News+1
المشهد السياسي: احتجاجات وضغط حقوقي… واصطفاف اجتماعي متوتّر
شهدت العاصمة ومدناً أخرى تظاهرات كبيرة صيف 2025 قادتها قوى نقابية ومدنية ترفع مطالب اجتماعية وتندد بما تعتبره “تراجعاً عن مكتسبات الحريات”. وعلى خط موازٍ، واصلت السلطات ملاحقات قضائية طالت قيادات من أحزاب معارضة، في سياق يراه أنصار السلطة “مكافحة فساد وتطهيراً للمشهد السياسي”، فيما تعتبره المعارضة “تسييساً للقضاء”. هذا التوتر السياسي–الاجتماعي ليس هامشياً؛ فهو ينعكس على الثقة المحلية وعلاقات تونس بشركائها الأوروبيين والدوليين، ويؤثر تباعاً في كلفة التمويل، وسلوك الاستثمار الخاص، وتوازنات الموازنة. Reuters+1
صورة الاقتصاد: مؤشرات مُختلطة بين استقرار نسبي خارجي وضغوط داخلية متصاعدة
اقتصادياً، تبدو لوحة 2024–2025 مركّبة: على الجبهة الخارجية، تحسّن ميزان الحساب الجاري في 2024 مدعوماً بالسياحة والتحويلات وتحسن جزئي في شروط التبادل التجاري، ما خفّض العجز الخارجي إلى قرابة 1.7% من الناتج، قبل أن يُعاود الضغط في 2025 مع اتساع فجوة التجارة مطلع العام. مالياً، انخفض عجز الموازنة في 2024 لكنّه ظل مرتفعاً تاريخياً قياساً بما قبل الجائحة، فيما ارتفع الدين العام إلى مطارح الثمانينات من الناتج مع اتساع فجوة التمويل. هذه المؤشرات تفسّر خيار الحكومة لعام 2025 بمضاعفة الاقتراض المحلي وتقليص الاقتراض الخارجي، في ظل صعوبة ولوج الأسواق الدولية والتأخر في برنامج مع صندوق النقد. بالتوازي، أبقى البنك المركزي على سياسة نقدية مشددة وكلفة تمويل مرتفعة للحد من التضخم، مع جدلٍ سياسي حول استقلاليته ودوره في تمويل الخزينة. Reuters+4World Bank+4World Bank+4
ما وراء الأرقام: عجزٌ مالي متراكم مع احتياجات تمويل كبيرة، نموّ ضعيف، وتضخم أعلى من المستويات المريحة وإن اتجه للانحسار النسبي في 2025. سوق العمل يبقى الحلقة الأضعف: بطالة الشباب تدور عند مستويات مرتفعة جداً تقارب 40% وفق تقديرات دولية، ما يُبقي الضغط الاجتماعي قائماً ويقلّص عوائد أي “انضباط مالي” ما لم يصاحبه محرّك نموّ واستثمار. Trading Economics
معضلة صندوق النقد: بين كلفة الإصلاح وبدائل التمويل
الاتفاق “المبدئي” مع صندوق النقد (1.9 مليار دولار في 2022) تعثّر بفعل خلافات حول وتيرة وشكل الإصلاحات (الدعم، كتلة الأجور، المؤسسات العمومية). ومنذ ذلك الحين، تراكمت ضغوط التمويل مع تحذيرات أممية ودولية من مخاطر تعثّر خارجي إذا لم تُحسم فجوة التمويل بشراكات واضحة أو برنامج مُعلَن. عملياً، عوّضت الحكومة جزءاً من النقص عبر توسيع الاقتراض الداخلي ورفع ضرائب وانتقائية في تقنين الإنفاق، لكن هذا المسار يظل ذا سقفٍ قصير إذا لم يرتكز إلى إصلاحات هيكلية تحسّن القدرة على جذب العملة الصعبة ونمو الصادرات. Reuters+2Reuters+2
السياسة النقدية والمالية: معادلة استقلالية المركزي وكلفة المال
تثبيت الفائدة الأساسية على مستويات مرتفعة كان خياراً دفاعياً لضبط التضخم وتوازنات العملة، لكنه يرفع كلفة الائتمان على الشركات، ويكبّل الاستثمار الخاص، ويجعل الدولة المُقترِض الأكبر داخلياً. الجدل الدائر حول تعديل قانون البنك المركزي –بما قد يفتح الباب للتمويل المباشر للموازنة– يطرح سؤالاً حساساً: كيف نوازن بين سيولة الدولة العاجلة وحماية استقرار الأسعار والثقة النقدية؟ أي تراجعٍ محسوس في استقلالية السياسة النقدية قد يمنح متنفساً قصير الأجل للمالية العمومية، لكنه قد يرفع علاوة المخاطر ويُصعّب لاحقاً استقطاب تمويل خارجي ميسّر. Reuters
أين الفرص وسط العُسرة؟ ثلاثة مسارات عملية يمكن البناء عليها
1) ضبطٌ مالي ذكي لا انكماشي: الانتقال من “تقشف أفقي” إلى ضبطٍ انتقائي يهاجم الهدر فعلياً (حَوْكمة دعم الطاقة وتوجيهه، إصلاح تدريجي للمؤسسات العمومية ذات النزيف) مع حماية إنفاق اجتماعي موجّه ومشاريع صغرى لتقليص بطالة الشباب في الجهات الداخلية. شرط النجاح: شفافية في الأرقام والتزامات زمنية قابلة للمساءلة، ما يحسّن ثقة المانحين ويخفض كلفة التمويل. تقارير البنك الدولي تُظهر أن تحسين الاتصال اللوجستي والبنية التحتية الرقمية يمكن أن يرفع الإنتاجية ويُسند الصادرات والخدمات العابرة للحدود (السياحة الطبية، التعهيد الرقمي). World Bank
2) اتفاقٌ واقعي مع صندوق النقد “بشروط تونسية”: ليس المطلوب قبول وصفة قياسية، بل برنامج يُجزّأ على مراحل مقابل مؤشرات أداء واضحة، مع إتاحة هوامش لحماية الفئات الهشّة وتسريع حَوْكمة المؤسسات العمومية بدل بيعٍ متسرّع لأصول استراتيجية. إقفال هذا الملف يفتح قنوات تمويل مكملة (اتحاد أوروبي، مؤسسات تمويل إنمائية) ويعيد تونس إلى “خارطة الثقة” الائتمانية. Crisis Group
3) نموّ مُحرَّك بالقطاعات القابلة للتصدير: السياحة استأنفت التعافي، لكنّ تنويع العرض (سياحة ثقافية وبيئية وطبية وتعليمية) وزيادة القيمة المضافة للصناعات التحويلية (المكوّنات الميكانيكية والكهربائية، الطاقات المتجددة وخدماتها) يمكن أن يقلّص العجز التجاري الذي عاود الاتساع في 2025. هنا، السياسات الصناعية الدقيقة (حوافز ضريبية انتقائية، مناطق لوجستية، شراكات تدريب) تُحدث فارقاً سريعاً في التشغيل والصادرات. Reuters
السياسة أولاً وأخيراً: الاستقرار المؤسسي شرطٌ للنمو
رسالة الرئاسة عن “الدولة الواحدة وسلطة الشعب” تهدف إلى حشد الجهاز الإداري وتسريع التنفيذ. لكن التجارب المقارنة تقول إن الاستثمار والثقة يرتبطان باليقين القانوني واستقلال القضاء وحرية المبادرة. كلما خفّ الاحتقان السياسي وتراجعت الملاحقات ذات الطابع السياسي، وكلما ضُبطت العلاقة بين السلطات بحدٍّ أدنى من الضمانات، تنخفض علاوة المخاطر، وتُفتح هوامش تمويل أرخص، وتتحول “المطالب المشروعة” التي تحدّث عنها الرئيس إلى برامج قابلة للتنفيذ لا إلى وعود مُعلّقة. وفي بيئة عالمية تُضيّق التمويل على الاقتصادات الصاعدة، فإن وضوح البوصلة السياسية والمالية هو العملة الأشد ندرة. Reuters
الخلاصة: تونس تقف على تقاطع ثلاثة مسارات: خطاب سياسي يعد بالحسم، واقتصاد يطلب أكسجين تمويلي وإصلاحات دقيقة، ومجتمع يضغط من أجل شغل وخدمات وكرامة. المفاضلة ليست بين “نصوص” و“واقع”، بل بين مصداقية تنفيذ تُطمئن الداخل والخارج، وبين استمرار إدارة الأزمة يوماً بيوم بكلفة اجتماعية ومالية أعلى. المؤشرات تقول إن نافذة الفرصة لم تُغلق بعد، لكن إغلاق فجوة التمويل، وخفض البطالة بين الشباب، وتحسين مناخ الأعمال تتطلب قرارات متزامنة على الطاولة المالية–النقدية والسياسية–المؤسسية، لا وعوداً عامة.







