يُظهر التصعيد الإسرائيلي المستمر في مخيمي نور شمس وطولكرم تحوّلاً خطيراً في طبيعة الاستهداف الذي لم يعد يقتصر على المواجهات العسكرية أو ملاحقة المسلحين، بل أصبح يُنفَّذ ضمن استراتيجية تهدف إلى تفريغ المخيمات من سكانها وطمس وجودها العمراني والبشري. عمليات الحرق والهدم والتهجير التي شهدها مخيم نور شمس مساء الأحد، والتي تمثّلت في إحراق منازل ضمن حارة المنشية، تُعد امتداداً لمخطط طويل الأمد يتضمن تدمير شامل لبنية المخيمات، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.
التهجير القسري
تحويل المخيمات إلى مناطق عسكرية مغلقة بعد اقتحامها بالقوة، وطرد السكان منها بالقوة أو عبر الضغط العسكري والنفسي، يعكس نهجاً ممنهجاً من التهجير القسري الذي يرقى إلى جريمة حرب. فالقوات الإسرائيلية لا تكتفي بإخلاء المنازل، بل تُحيلها إلى ثكنات عسكرية، وتستخدم النيران الحية لمنع اقتراب أي مدني، مما يخلق بيئة معزولة وممنهجة للهدم والدمار، مع تقويض مقصود لأي محاولة للمقاومة أو الصمود المدني.
وفي ظل استمرار الحصار العسكري لليوم الـ162 في نور شمس والـ175 في طولكرم، تتزايد المؤشرات على أن الاحتلال بصدد تنفيذ مخطط تهجيري واسع يستهدف إعادة تشكيل المشهد الديمغرافي والجغرافي بالكامل في شمال الضفة الغربية. الأرقام التي تشير إلى تدمير 600 مبنى كلياً، وتضرر ما يزيد عن 2500 منزل جزئياً، إلى جانب تهجير قسري لأكثر من 25 ألف مواطن، تعكس عمق الكارثة وحجم الخسائر في واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية وتاريخاً نضالياً.
العقاب الجماعي
مخطط هدم أكثر من 200 مبنى في كلا المخيمين، وتنفيذه الفعلي بهدم ما يقارب نصف هذه المباني بالفعل، لا يمكن قراءته خارج إطار العقاب الجماعي، والسياسات الإسرائيلية المتصاعدة لتفريغ البيئة الفلسطينية من ركائز الصمود الاجتماعي والبشري. كما أن أعمال فتح الشوارع داخل المخيم، وفصل الحارات عن بعضها البعض، تشير إلى عملية هندسية تهدف إلى إعادة تشكيل الفضاء الداخلي للمخيمات بطريقة تجعلها أكثر هشاشة أمنيًا واجتماعيًا.
هذا التصعيد يترسخ في سياق استراتيجي يتجاوز المواجهة الأمنية التقليدية. فاستهداف البنية السكنية بشكل مباشر، وإحداث تغيير عمراني قسري، وتحويل أحياء كاملة إلى مناطق عسكرية، يعني أن الاحتلال يعمل على تفكيك الحياة الاجتماعية في هذه المخيمات، ودفع الناس إلى مغادرة أماكنهم الأصلية. إنها سياسة “الاقتلاع الناعم” تحت ضغط عسكري عنيف.
من الناحية القانونية، تُعد هذه الممارسات خرقاً للعديد من المعاهدات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر العقوبات الجماعية وعمليات التهجير القسري، وتفرض على قوة الاحتلال احترام حياة المدنيين وممتلكاتهم. لكن في غياب المساءلة، يتحوّل القانون الدولي إلى مجرد توصيات لا تُلزم الفاعل، وتُفرغ معاناة المدنيين من أي حماية فعلية.
صمت دولي مخجل
وفي ظل هذا الواقع، تبدو المخيمات الفلسطينية، التي تأسست في الأساس كملاجئ مؤقتة للاجئين بعد نكبة عام 1948، وكأنها تتعرض لنكبة جديدة، تأخذ هذه المرة طابعاً تدميرياً شاملاً يستهدف البنية والوجود. ووسط صمت دولي مخجل، تستمر معاناة آلاف العائلات التي وجدت نفسها فجأة بلا مأوى، ولا حتى قدرة على الوصول إلى ممتلكاتها، في مشهد يعكس واقعاً مأساوياً يسير نحو مزيد من العزلة والدمار.
إن ما يحدث في طولكرم ونور شمس ليس مجرد حملة عسكرية، بل هو مشروع اقتلاع منظم، يتطلب وقفة دولية جادة تتجاوز بيانات التنديد، نحو محاسبة فورية، وإجراءات تضمن وقف هذا الدمار المتواصل، وحماية السكان المدنيين من كارثة إنسانية وقانونية متصاعدة.






