في خيام مهترئة على أطراف خان يونس، تجلس سهام جرابعة تحت وطأة هموم أثقل من جسدها الجريح. فقدت زوجها تحت أنقاض المنزل، ثم ودّعت عبد الرحيم، ابن زوجها، الذي كان يساعدها في جلب المساعدات، بعدما استشهد هو الآخر. إصابتها بالشظايا جعلت الحركة أكثر إيلامًا، لكنها لم تجد سبيلًا سوى السير يوميًا لمسافات طويلة كي تحاول الظفر ببعض الأرز أو العدس من مراكز الإغاثة.
مأساة يومية
تقف سهام بالساعات تحت الشمس، تواجه رصاصًا قد يطالها في أي لحظة، ثم تعود أحيانًا بخفي حنين، إلى خيمتها التي تتكدس فيها خمسة عشر روحًا. أكثر ما تخشاه ليس الجوع ولا المرض، بل أن تفقد واحدًا آخر من أبنائها الثمانية الذين صاروا أمانة ثقيلة فوق كتفيها. تقول وهي تنظر نحو السماء: “أخاف الشتاء أكثر من القصف، فالخيام لن تصمد أمام برد قادم”.
في مكان آخر، تعيش نور عاشور مأساة مزدوجة. فزوجها المريض نفسيًا جعل من ابنها البكر محسن سندًا للأسرة. لكن محسن لم يعد من طابور المساعدات؛ استُهدف برصاصة أنهت حياته وهو في التاسعة عشرة. لم تحتمل الأم وقع الخبر، فسقط جنينها الذي كانت تحمله في أحشائها.
لم يكن الحزن وحده سبب الإجهاض، بل أيضًا الجوع ونقص الدواء. منذ ذلك اليوم، أصبحت العائلة تتنقل بين دير البلح وغزة والجامعات المهجورة، بلا استقرار ولا مأوى. تصف مراكز الإيواء التي لجأت إليها بـ”مصائد الموت”، إذ لا ماء ولا طعام إلا وجبة واحدة توزعها بعض المبادرات الخيرية، فيما يزداد خوفها على صغارها من كل نزوح جديد، ومن كل قذيفة قد تحرمها من أحدهم.
صراع البقاء
الحكايات تتكرر بأوجه مختلفة. نساء حوامل يواجهن المخاض في خيام تفتقر للماء والفوط الصحية، وأمهات يبتكرن طرقًا بدائية لتجاوز الدورة الشهرية وسط انعدام الخصوصية. نساء فقدن بيوتهن وأزواجهن وأبناءهن، ثم وجدن أنفسهن معيلات لأطفال بلا غذاء ولا دواء.
إنها صور متفرقة من معاناة متكاملة؛ امرأة تنزف بلا علاج، وأخرى تجهض جنينها تحت وقع الخوف والجوع، وأمهات يواجهن معركة يومية لحماية أطفالهن من الموت جوعًا أو قصفًا. في غزة، كل امرأة تحمل على كتفيها رواية من الألم والنجاة، لكنها أيضًا تحمل معنى الصمود، وهي تكتب يوميًا فصولًا جديدة من صراع البقاء.






