يتقدم المسار الدبلوماسي إلى واجهة المشهد، لكن دون أن يزيح ظلال التصعيد العسكري. في هذا التوازن الدقيق، تقود باكستان قناة تفاوض غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في محاولة لانتزاع هدنة قبل انتهاء المهلة التي رسمها دونالد ترامب.
اللافت أن واشنطن دفعت بـجيه دي فانس إلى واجهة هذا المسار، في إشارة إلى أن المفاوضات لم تعد مجرد اختبار نوايا، بل تحولت إلى رهان سياسي مباشر على أعلى مستوى.
وساطة باكستان: قناة خلفية تتحول إلى خط تفاوض رئيسي
تحرك شهباز شريف لم يعد مجرد مبادرة عابرة، بل تحول إلى قناة مركزية تُدار عبرها المفاوضات. قدرة إسلام آباد على التواصل مع الطرفين منحتها موقعاً فريداً، خصوصاً في لحظة تبحث فيها القوى الكبرى عن “وسيط موثوق” أكثر من بحثها عن حلول نهائية.
هذه الوساطة لا تهدف إلى تسوية شاملة، بل إلى كسب الوقت وخلق مساحة لالتقاط الأنفاس. ومع ذلك، فإن مجرد استمرارها يشير إلى أن خيار الحرب الشاملة لا يزال مؤجلاً، لا ملغياً.
فانس في الواجهة: دبلوماسية بنبرة واقعية
دخول جيه دي فانس على خط التفاوض يعكس تحوّلاً في أسلوب الإدارة الأمريكية. فالرجل، المعروف بخطابه الواقعي، قدم قراءة مزدوجة: تفاؤل حذر بإمكانية رد إيراني، مقابل تحذير واضح من استمرار التدهور الاقتصادي إذا فشلت المحادثات.
هذا الخطاب لا يحمل وعوداً، بل يضع الخيارات بشكل مباشر: اتفاق أو ضغط متصاعد. وهي صيغة تفاوضية تقوم على تقليص المساحة الرمادية، ودفع الطرف الآخر نحو قرار واضح.
إنجاز عسكري… ومفاوضات لم تكتمل
حديث واشنطن عن تحقيق “أهداف عسكرية إلى حد كبير” ليس مجرد تقييم ميداني، بل رسالة تفاوضية بامتياز. المعنى الضمني: الولايات المتحدة تفاوض من موقع قوة، لكنها لا تعتبر المعركة منتهية.
الملفات التي “تتطلب مزيداً من العمل”—خصوصاً ما يتعلق بقدرات إيران العسكرية—تشير إلى أن أي اتفاق محتمل لن يكون شاملاً، بل تدريجياً، يُبنى على مراحل من التهدئة مقابل التنازلات.
في المقابل، ترى طهران أن استهداف حلفاء واشنطن والضغط الاقتصادي يمثلان أدوات توازن، تمنع انفراد الولايات المتحدة بتحديد شروط اللعبة.
ازدواجية الخطاب: بين التهدئة والتصعيد
في الوقت الذي يتحدث فيه جيه دي فانس عن فرص التهدئة، يواصل دونالد ترامب إطلاق رسائل أكثر تشدداً. هذا التباين ليس تناقضاً بقدر ما هو توزيع أدوار: ضغط من الأعلى، وتفاوض من الخلف.
هذه الاستراتيجية تمنح واشنطن مرونة أكبر، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطرة—إذ قد تفسر طهران هذا التباين كعدم وضوح في الموقف، أو كمحاولة لفرض شروط غير مباشرة.
السياسة تتقاطع مع الدبلوماسية
اللافت أن تحركات جيه دي فانس لم تقتصر على الملف الإيراني، بل امتدت إلى أوروبا، حيث أبدى دعماً لـفيكتور أوربان. هذا التداخل يعكس أن الأزمة لا تُدار بمعزل عن الحسابات السياسية الأوسع، سواء داخل الولايات المتحدة أو في علاقاتها الدولية.
حتى الاتصالات المباشرة مع دونالد ترامب خلال الفعاليات السياسية تشير إلى أن القرار الدبلوماسي لا ينفصل عن الإيقاع السياسي الداخلي.
نافذة ضيقة قبل الحسم
مع اقتراب انتهاء المهلة، تبدو المفاوضات وكأنها تتحرك في مساحة زمنية محدودة، حيث كل ساعة تحمل وزناً سياسياً واقتصادياً.
الرهان الحالي ليس على اتفاق شامل، بل على منع الانفجار. وإذا نجحت الوساطة في تحقيق وقف مؤقت لإطلاق النار، فسيكون ذلك بمثابة “تجميد للأزمة” أكثر منه حلاً لها.
ما الذي يتشكل الآن؟
ما يتضح من هذا المشهد هو أن الصراع لم يعد عسكرياً فقط، ولا دبلوماسياً فقط، بل مزيج معقد من الاثنين. القنوات الخلفية، والضغوط العلنية، والتحركات السياسية المتوازية، كلها تشير إلى مرحلة جديدة تُدار فيها الأزمات عبر توازن دقيق بين القوة والتفاوض.
وفي هذا التوازن، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح الدبلوماسية في اللحاق بالتصعيد… أم أن الوقت ينفد قبل أن تنضج التسوية؟




