يسعى المشير خليفة حفتر إلى إعادة تقديم نفسه كرقم صعب في معادلة الأمن الليبي، واضعًا ملفيّ الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة في واجهة خطابه السياسي والعسكري. شرق البلاد، حيث يفرض حفتر سيطرته منذ سنوات، يتحوّل اليوم إلى منصة لإعادة تسويق “الدور الأمني” بوصفه مدخلًا للشرعية الداخلية والاعتراف الخارجي، في بلد ما يزال يعيش انقسامًا سياسيًا عميقًا وهشاشة ميدانية على طول حدوده المترامية.
من بنغازي، رصد مراسلانا وقائع مؤتمر أمني عُقد في شرق البلاد، ضمن مسعى سياسي–أمني لإعادة تقديم المنطقة كشريك محتمل في قضايا الأمن الإقليمي، في مواجهة صورة الفوضى والانفلات التي هيمنت طويلًا على سرديات المشهد الليبي في الإعلام الدولي.
شرق منضبط أم سلطة بقبضة حديدية؟
في بنغازي ومدن الشرق، يقدّم معسكر حفتر نموذج حكم يقوم على القبضة الأمنية الصارمة، حيث جرى تفكيك معظم التشكيلات المسلحة المنافسة، وتوسيع نفوذ الأجهزة الأمنية والعسكرية الموالية للقيادة العامة. هذا “الاستقرار القسري” مكّن حفتر من فرض مستوى من السيطرة على المجال العام، لكنه في الوقت نفسه أثار انتقادات حقوقية تتعلق بتقييد الحريات وتغليب المقاربة الأمنية على أي مسار سياسي أو مؤسسي شامل.
يرى مقرّبون من القيادة العامة أن هذا النموذج ضروري في مرحلة انتقالية لمنع انزلاق الشرق إلى الفوضى التي عرفتها مناطق أخرى، فيما يحذّر خصوم حفتر من أن تكريس الحكم الأمني يُعيد إنتاج الدولة على قاعدة القوة لا التوافق، ما يجعل أي استقرار عرضة للاهتزاز عند أول صدمة سياسية أو عسكرية.
الحدود الليبية… خاصرة رخوة ومعركة مفتوحة
تمتد حدود ليبيا عبر صحارى مفتوحة مع دول تعاني بدورها من أزمات أمنية مزمنة، من السودان وتشاد جنوبًا إلى النيجر غربًا. هذه الجغرافيا جعلت من ملف الحدود تحديًا يتجاوز قدرات أي سلطة محلية، حتى مع وجود أجهزة عسكرية منظمة. شبكات التهريب وتجارة البشر والسلاح تنشط في فراغ الدولة، مستفيدة من تشابك المصالح المحلية والإقليمية، ومن ضعف التنسيق بين السلطات المتنافسة في شرق البلاد وغربها.
يحاول حفتر تقديم نفسه شريكًا محتملًا في جهود ضبط الحدود، مستثمرًا قلق دول الجوار والأوروبيين من تمدد الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية. غير أن الواقع الميداني يشي بأن السيطرة الجزئية لا تكفي لإغلاق هذه الخاصرة الرخوة، في ظل غياب سلطة مركزية موحدة وخطط تنسيق عابرة للانقسامات السياسية.
مؤتمر بنغازي… رسالة أمنية أم محاولة لإعادة التموضع؟
جاء المؤتمر الأمني الذي نظّمه خالد حفتر في بنغازي كرسالة مزدوجة: إلى الداخل الليبي بأن الشرق قادر على إدارة ملف أمني “منضبط”، وإلى الخارج بأن معسكر حفتر شريك جاهز للتعاون في قضايا الحدود والجريمة المنظمة. اختيار الابن لإدارة المؤتمر لم يخلُ من دلالات تتجاوز الطابع التقني، إذ يعكس محاولة لتكريس دور عائلة حفتر في المشهد الأمني والسياسي على المدى المتوسط.
لكن هذه المبادرة لا تنفصل عن سياق أوسع من إعادة التموضع السياسي. فالمشهد الليبي يشهد حراكًا دبلوماسيًا متجددًا، ومحاولات إحياء مسارات تفاوضية متعثرة. وفي هذا السياق، يسعى حفتر إلى تقديم نفسه بوصفه “فاعل استقرار” لا مجرد قائد عسكري محلي، وهو تحول في الخطاب لا يعني بالضرورة تحولًا في بنية السلطة على الأرض.
شرعية الأمن وحدود الواقعية السياسية
يعوّل حفتر على ورقة الأمن لكسر العزلة الجزئية التي طوقت معسكره في مراحل سابقة، مستفيدًا من تغير أولويات بعض العواصم الإقليمية والدولية التي باتت ترى في “الاستقرار” أولوية تتقدم على مسارات الانتقال السياسي المعقّدة. غير أن الرهان على الأمن وحده يظل رهانًا ناقصًا في بلد لم تُحسم فيه بعد معركة الشرعية السياسية.
ففي ليبيا المنقسمة بين حكومات متنافسة ومؤسسات منزوعة الإجماع، لا يمكن لأي طرف أن يحتكر دور “الفاعل الأمني الرئيسي” من دون كلفة سياسية طويلة المدى. فالأمن غير المرتبط بتسوية سياسية شاملة يبقى هشًا، وقابلًا للتحول من عامل استقرار مؤقت إلى عنصر تأزيم جديد، يعمّق الانقسام بدل أن يردمه.




