أقرّ المجلس القيادي الرئاسي اليمني، المعترف به دوليًا، تشكيل حكومة جديدة من 34 وزيرًا برئاسة شايع الزنداني، الذي سيتولى في الوقت نفسه حقيبة الخارجية، في خطوة وُصفت داخل الأوساط السياسية اليمنية بأنها محاولة متأخرة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للمعسكر المناهض لجماعة الحوثيين، بعد أشهر طويلة من التجاذبات والانقسامات.
وأعلنت وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ)، يوم الجمعة، صدور قرار تشكيل الحكومة، في سياق تسعى فيه القيادة السياسية إلى إظهار قدر من الاستقرار المؤسساتي، وسط حرب أهلية مستمرة منذ سنوات، وانقسام سياسي عميق داخل المعسكر نفسه الذي يفترض أنه يقف في مواجهة الحوثيين.
التركيبة الجديدة لا تعكس فقط تغييرًا في الأسماء، بل تحمل دلالات سياسية تتصل مباشرة بمحاولة ترسيخ سلطة المجلس القيادي الرئاسي، وإعادة ضبط العلاقة بين القوى المتنافسة داخل الحكومة المعترف بها دوليًا.
وجوه أمنية في الحقائب السيادية… ورسالة أولوية الاستقرار
من أبرز ما يلفت في التشكيلة الجديدة إسناد وزارتي الدفاع والداخلية إلى شخصيتين عسكريتين، في مؤشر على أن البعد الأمني سيبقى في صدارة أولويات الحكومة المقبلة.
فقد عُيّن اللواء طاهر علي عبيدة العقيلي وزيرًا للدفاع، فيما تولى اللواء إبراهيم علي أحمد حيدان حقيبة الداخلية، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات معقدة تتعلق بتعدد مراكز القوة المسلحة، وضعف السيطرة الأمنية في عدد من المحافظات.
وفي موازاة ذلك، جرى تعيين معمر مطهر الإرياني وزيرة للإعلام، في واحدة من أبرز الحقائب السياسية ذات الطابع الاتصالي، في ظل معركة سرديات مفتوحة مع الحوثيين، ومع الرأي العام الداخلي والخارجي على حد سواء.
مشاركة نسائية محدودة… لكنها لافتة في السياق اليمني
اللافت في هذه الحكومة إدراج ثلاث وزيرات، في تطور غير مسبوق مقارنة بالحكومة السابقة التي كانت خالية تمامًا من التمثيل النسائي.
فقد عُيّنت أفراح عبد العزيز الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي، وعهد محمد سالم جاسوس وزيرة دولة لشؤون المرأة، إضافة إلى القاضية إشراق فضل المقطري.
ورغم محدودية العدد، فإن هذه الخطوة تحمل بعدًا رمزيًا مهمًا في السياق اليمني، حيث ظل حضور المرأة في مواقع القرار التنفيذي ضعيفًا للغاية، حتى في المؤسسات التابعة للسلطة المعترف بها دوليًا.
غير أن هذا التمثيل يبقى، حتى الآن، أقرب إلى رسالة سياسية وتحسينية للصورة الخارجية، منه إلى تحول فعلي في بنية صناعة القرار داخل الحكومة.
حكومة وُلدت من تسوية داخل المعسكر الواحد
تشكيل الحكومة الجديدة هو ثمرة أشهر من المشاورات السياسية التي جرت في العاصمة السعودية الرياض، بعد استقالة رئيس الوزراء السابق أحمد عوض بن مبارك في مايو/أيار 2025.
الهدف المعلن من تلك المشاورات كان احتواء الخلافات المتصاعدة بين الحكومة المركزية والمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يمثل التيار الانفصالي الأبرز في جنوب البلاد، ويُعد في الوقت نفسه شريكًا رئيسيًا داخل التحالف المناهض للحوثيين.
وكان المجلس الانتقالي الجنوبي قد أعلن حلّ تشكيلاته الحكومية في يناير/كانون الثاني الماضي، في خطوة فُسّرت حينها على أنها تمهيد لإعادة دمج القوى السياسية والعسكرية في إطار حكومي موحد.
وفي هذا السياق، أكد المجلس القيادي الرئاسي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء “انطلاقًا من المصلحة الوطنية العليا”، ووفقًا للدستور اليمني والمرجعيات والاتفاقيات السياسية السابقة.
الزنداني بين رئاسة الحكومة والخارجية… تركيز أم مخاطرة؟
تولي شايع الزنداني منصبي رئيس الوزراء ووزير الخارجية في آن واحد يعكس رغبة واضحة لدى القيادة السياسية في توحيد الخطاب الخارجي وربطه مباشرة برئاسة الحكومة، خصوصًا في مرحلة حساسة تتداخل فيها الملفات الدبلوماسية مع مسارات الحرب والسلام والدعم الإقليمي.
غير أن هذا الجمع بين المنصبين يضع رئيس الحكومة الجديد أمام عبء مزدوج، في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى إدارة يومية معقدة لملفات اقتصادية وخدمية وأمنية داخلية، إلى جانب تحركات دبلوماسية مكثفة على أكثر من مسار.
حكومة في ظل حرب مفتوحة وأزمة إنسانية خانقة
تبدأ الحكومة الجديدة عملها في واحدة من أكثر البيئات السياسية والإنسانية قسوة في العالم.
فالحرب الأهلية في اليمن، المستمرة منذ قرابة تسع سنوات، ما تزال تمزق البلاد بين الحكومة المعترف بها دوليًا – والمدعومة من تحالف تقوده السعودية – وجماعة الحوثيين التي تسيطر على مساحات واسعة من شمال البلاد.
ووفق تقديرات دولية، يعتمد نحو 80 في المئة من السكان، أي ما يقارب 30 مليون شخص، على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، في ظل انهيار شبه كامل للبنية الاقتصادية والخدمية.
ما الذي تستطيع هذه الحكومة فعله فعليًا؟
رغم الخطاب الرسمي الذي يرافق تشكيل الحكومة الجديدة، فإن التحديات المباشرة التي تواجهها تبدو أكبر بكثير من قدرتها المؤسسية الحالية.
فالاقتصاد يعاني من تدهور مستمر، وانقسام مالي ونقدي بين مناطق النفوذ، وموارد الدولة محدودة، في وقت يتطلب فيه الملف الإنساني تدخلات عاجلة تتجاوز حدود العمل الحكومي التقليدي.
وفوق ذلك، لا تزال عملية السلام مع الحوثيين متعثرة، من دون أفق تفاوضي واضح، في ظل ارتباط الملف اليمني بتوازنات إقليمية ودولية أوسع.
توحيد الصف قبل مواجهة الخصم
في جوهره، لا يعكس تشكيل هذه الحكومة اختراقًا سياسيًا في مسار الصراع مع الحوثيين بقدر ما يعكس محاولة لإعادة ترتيب الصف داخل المعسكر المناهض لهم.
فالأولوية العاجلة للمجلس القيادي الرئاسي لم تكن إطلاق مسار سلام جديد، بل معالجة حالة التفكك السياسي والمؤسساتي التي كادت تعصف بشرعية الحكومة نفسها.
وبينما تسعى القيادة اليمنية إلى تقديم صورة حكومة موحدة وقادرة على إدارة المرحلة المقبلة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا:
هل تستطيع هذه الحكومة أن تتحول من تسوية داخلية مؤقتة إلى سلطة فاعلة على الأرض، في بلد ما تزال السلطة فيه مجزأة، والسلاح فيه أقوى من السياسة؟




