تتجه الأنظار إلى قطاع غزة مجدداً بعد تقارير إسرائيلية تحدثت عن استعداد ما يعرف بـ”مجلس السلام“، الذي أُعلن عن تأسيسه بمبادرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لإطلاق أول “منطقة إنسانية خالية من حماس” في جنوب القطاع، في خطوة تتزامن مع استمرار الجيش الإسرائيلي في توسيع نطاق سيطرته الميدانية.
وبحسب صحيفة “إسرائيل اليوم”، فإن المشروع سيبدأ في منطقة تل السلطان غرب مدينة رفح، على أن يستقبل مدنيين فلسطينيين لا يحملون السلاح ولا تربطهم علاقة بحركة حماس، فيما تتولى قوة دولية متعددة الجنسيات إدارة الأمن داخل المنطقة.
ويأتي الإعلان في وقت تشهد فيه غزة تحولات ميدانية وسياسية متسارعة، وسط استمرار العمليات العسكرية وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.
كيف ستعمل “المناطق الإنسانية”؟
وفقاً للتفاصيل التي أوردتها الصحيفة، ستخضع المنطقة لإدارة أمنية من قبل القوة الدولية لتحقيق الاستقرار (ISF)، وهي قوة متعددة الجنسيات ستعمل من قاعدة إسرائيلية قريبة من القطاع، وستكون مزودة بما وصفته التقارير بـ”أسلحة غير فتاكة”.
وسيخضع الراغبون في دخول المنطقة لإجراءات تحقق أمنية، فيما ستوفر لهم خدمات الإيواء والمساعدات الإنسانية، مع الإبقاء على قيود صارمة تتعلق بإعادة الإعمار، إذ تعهد مسؤولو مجلس السلام بعدم إدخال الخرسانة إلى القطاع ضمن المرحلة الأولى من المشروع.
كما يعمل المجلس، بحسب التقرير، على إنشاء مستودعات لوجستية كبيرة بالقرب من الحدود مع غزة لدعم تشغيل هذه المراكز الإنسانية مستقبلاً.
توسع عسكري إسرائيلي بالتوازي مع المشروع
يتزامن الإعلان عن إنشاء هذه المناطق مع استمرار الجيش الإسرائيلي في توسيع سيطرته خارج ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو الشريط الذي كان من المفترض أن يكون منطقة انتشار مؤقتة خلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، قبل تعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية.
وتشير التقارير الإسرائيلية إلى أن المنطقة العازلة التي تسيطر عليها إسرائيل باتت تمتد لتشمل نحو 70% من مساحة قطاع غزة، في تحول ميداني يعكس تغيراً كبيراً في خريطة السيطرة داخل القطاع.
ونقلت صحيفة “إسرائيل اليوم” عن مسؤول إسرائيلي قوله إن العمليات العسكرية ستستمر بوتيرة متسارعة مع الحرص على البقاء دون مستوى الانتقادات الدولية، إلى حين تخلي حركة حماس عن سلاحها، بحسب تعبيره.
ما هو “مجلس السلام”؟
بحسب المعلومات المعلنة، أُنشئ “مجلس السلام” في يناير/كانون الثاني الماضي ضمن مبادرة أمريكية تهدف إلى وضع إطار لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة.
وأعلن المجلس خلال الأيام الماضية وصول أولى المركبات التكتيكية إلى قاعدة القوة الدولية لتحقيق الاستقرار، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على اقتراب بدء تنفيذ المشروع ميدانياً.
ويرى القائمون على المجلس أن إنشاء مناطق آمنة يخضع سكانها لإدارة مدنية وأمنية منفصلة يمثل خطوة أولى نحو إعادة تنظيم الحياة داخل القطاع بعد الحرب.
حماس: نأمل أن يكون التنفيذ مدخلاً لإنهاء الحرب
من جانبها، رحبت حركة حماس بحذر بما وصفته ببدء تنفيذ مهام مجلس السلام، معربة عن أملها في أن تسهم هذه الخطوة في فصل المدنيين الفلسطينيين عن القوات الإسرائيلية ووقف العمليات العسكرية.
وقال المتحدث باسم الحركة، حازم قاسم، إن الحركة تدعو المجلس إلى الشروع في تنفيذ الخطة بصورة فعلية، بما يؤدي إلى إنهاء الحرب على قطاع غزة، وفق تصريحه.
ورغم هذا الترحيب، لم يصدر عن الحركة موقف تفصيلي بشأن آلية إدارة المناطق المقترحة أو طبيعة القوة الدولية التي ستتولى الإشراف عليها.
المشروع يعيد الجدل حول “المدينة الإنسانية”
لا تُعد فكرة تجميع السكان في جنوب قطاع غزة جديدة، إذ سبق أن أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس عن خطة لإنشاء ما وصفه بـ”مدينة إنسانية” قرب رفح، يتم نقل سكان القطاع إليها بعد إخضاعهم لإجراءات أمنية، مع فرض قيود على مغادرتها.
كما أظهرت تقارير سابقة، استناداً إلى صور أقمار صناعية، عمليات تجريف وتسوية واسعة للأراضي في محيط رفح، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على التحضير لإنشاء منشآت كبيرة في المنطقة.
إدارة مدنية أم إعادة رسم للخريطة السكانية؟
يرى مراقبون أن المشروع يتجاوز كونه مبادرة إنسانية لتوفير المأوى، إذ يأتي في سياق إعادة تنظيم الوجود السكاني داخل غزة بالتوازي مع التغيرات العسكرية على الأرض.
فإنشاء مناطق تخضع لإدارة أمنية منفصلة قد يمنح إسرائيل قدرة أكبر على الفصل بين المناطق المدنية ومناطق العمليات، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات بشأن مستقبل بقية مناطق القطاع وإمكانية عودة السكان إلى منازلهم.
تحديات التنفيذ
ورغم الحديث عن توفير الغذاء والمأوى، تواجه الخطة تحديات كبيرة، أبرزها حجم الدمار الواسع، واستمرار العمليات العسكرية، إضافة إلى الأسئلة المتعلقة بالإطار القانوني لإدارة هذه المناطق، وطبيعة صلاحيات القوة الدولية، ومدى قبول الفلسطينيين بالانتقال إليها طوعاً.
كما أن نجاح المشروع سيظل مرتبطاً بالتوصل إلى تفاهمات سياسية وأمنية أوسع، في ظل استمرار الحرب وتعثر جهود التسوية.






