تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي حملات الاعتقال اليومية في مدن وقرى الضفة الغربية، بما في ذلك طولكرم ومخيماتها، لتتحول هذه السياسة إلى أداة رئيسية في منظومة السيطرة الإسرائيلية على الأرض والسكان. الاعتقالات لم تعد مجرد عمليات أمنية ظرفية، بل باتت جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني وإضعاف قدرته على المقاومة أو حتى الصمود أمام الضغوط المعيشية والنفسية.
عقاب جماعي
في طولكرم ومخيم نور شمس، يُظهر التوسع في الاعتقالات، وما يرافقها من اقتحامات واقتحام منازل ومحال تجارية، أن الاحتلال يسعى إلى فرض حالة دائمة من عدم الاستقرار، بحيث يعيش الفلسطينيون في خوف دائم من الاعتقال أو التهجير. هذه الحملات تستهدف في معظم الأحيان شباناً من الفئة العمرية الفاعلة في المجتمع، ما يعني تعطيل القوى الأكثر قدرة على المشاركة في النشاط الوطني والاجتماعي، وتحويلهم إلى أسرى أو مطاردين أو حتى معزولين عن مجتمعهم.
كما ترتبط الاعتقالات بآلية عقاب جماعي تتجاوز الأفراد المستهدفين إلى محيطهم الأسري والمجتمعي. فاقتحام المنازل وترويع السكان، وإجبار الأهالي على إخلاء بيوتهم، وحرمان الأطفال من الدراسة في مدارسهم، كلها إجراءات تصب في هدف إضعاف النسيج الاجتماعي وضرب الاستقرار النفسي والمعنوي للأسر. الاعتقالات إذن ليست مجرد إجراءات “أمنية”، بل أداة سياسية تهدف إلى خلق فراغ في القيادة المجتمعية المحلية، وإلى كسر روح التحدي.
إلى جانب ذلك، فإن ربط الاعتقالات بسياسة الهدم والتهجير الواسع، كما حدث في طولكرم حيث دُمر أكثر من 600 منزل كلياً وتضررت آلاف المنازل جزئياً، يكشف عن مشروع متكامل لتفريغ المناطق الفلسطينية من سكانها أو دفعهم نحو الهجرة الداخلية. إنها عملية إعادة هندسة ديمغرافية للضفة الغربية، تقوم على معادلة السيطرة على الأرض وطرد السكان أو تحييدهم عبر السجون.
مشروع معتقل محتمل
الجانب الأعمق في هذه السياسة أن الاحتلال يحاول من خلالها إنتاج بيئة مجتمعية يطغى عليها الخوف والشكوك، بحيث يصبح كل مواطن مشروع معتقل محتمل، ما يعزز الرقابة الذاتية ويحدّ من المشاركة في أي فعل جماعي أو احتجاجي. هذه النتيجة تمثل مكسباً استراتيجياً لإسرائيل لأنها تضعف قدرة الفلسطينيين على تنظيم أنفسهم في مواجهة المشروع الاستيطاني.
لكن في المقابل، تشير تجارب العقود الماضية إلى أن الاعتقالات لا تنجح في القضاء على الروح الوطنية، بل تؤدي إلى مزيد من التماسك المجتمعي، حيث تتحول السجون إلى مدارس سياسية، وتتحول عائلات الأسرى إلى بؤر دعم للمقاومة المدنية والسياسية. وبذلك، قد تحقق إسرائيل مكاسب آنية في تعطيل الحياة اليومية، لكنها تفشل في القضاء على المطلب الأساسي للفلسطينيين بالحرية والاستقلال، بل تُعمق الإحساس الجمعي بضرورة الاستمرار في المقاومة.




